-
ع
+

العشوائية والنُظم المتولدة عنها

يحيى محمد

ثمة أربعة نظم مختلفة لها علاقة بالعشوائية والذكاء، وهي كالتالي:

1ـ النظام التكراري: وهو ذو بنية منتظمة بسيطة، ينشأ في الطبيعة تلقائياً بفعل التكرار العشوائي من دون وظيفة، كما يلاحظ لدى النظام الديناميكي في الفيزياء الاحصائية المعروف بالارجودي ergodicity؛ سواء في حالة العشوائية الديناميكية المحافظة على النظام وفقاً لما يسمى بمقياس سيجما، والتي من امثلتها ما يعرف بالجواذب الغريبة، او في حالة التقلبات المتنافية وفقاً لمقياس برنولي، كما في الرميات العشوائية الكبيرة للعملة، حيث تنتج نسباً تميل الى الثبات. لكن نسب الانتظامات النوعية فيها تكون ضئيلة الاحتمال اكثر فاكثر مع زيادة عدد الرميات لازدياد العشوائية.

ويمكن محاكاته بشكل اعتباري من دون تأصل في الطبيعة، مثلما نقوم بتكرار الاحرف اللغوية بانتظام.

ومن حيث التحليل يمكن النظر الى هذا النظام من جهتين، احداهما انه يحمل تماثلاً او تكراراً يجعله يُنشئ الانتظام البسيط. فمثلاً تتوزع جزيئات الغاز ضمن حاوية ذات هيئة محددة – كالكرة او الاسطوانة او غير ذلك - بشكل متعادل تقريباً لدى جميع نقاطها؛ فيظهر شكلها المنتظم على شاكلة هذه الحاوية وفقاً لغلبة الامكانات التوافيقية المناسبة للتوزيع العادل في جميع النقاط، فتصبح بقية الامكانات المتعلقة ببعض النقاط دون الاخرى ضئيلة الاحتمال للغاية، كأن تنحصر جزيئات الغاز في زاوية معينة دون اخرى.

كذلك الحال في الظواهر التي تتحكم بها الجواذب الغريبة فانها تتخذ صفة الانتظام البسيط بفعل التماثل والتكرار مع خاصية التجاذب الذاتي وفق القوانين الاحصائية. وكذا ما يتعلق بالتقلبات المتنافية كما في الرميات الكبيرة لقطعة النقد، حيث تميل النتائج الى نسبة محددة تزداد توافقاً مع نسبة الاحتمال القبلية لوجهي القطعة كلما ازداد عدد الرميات العشوائية. ولو كان الوجهان متماثلين لاقتربت النسبة الى التناصف باضطراد مع زيادة الرميات. فالانتظام الحاصل في النتيجة هو للتكرار المتماثل في عدد الرميات العشوائية، وهو بمثابة التكرار المتماثل لنسبة الاحتمال القبلية.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية ان العشوائية الكبيرة كما يفترضها هذا النظام يجعلها تولد منطقتين يكون الغالب فيها عدم الانتظام، حيث يظهر الانتظام بسبب التكرار والتماثل البسيط، اما عدم الانتظام فهو بسبب العشوائية. فمثلاً في الرميات الكبيرة لقطعة النقد يمكن حساب عدد الامكانات المنتظمة، وهي قليلة جداً وسط بحر الامكانات غير المنتظمة. لذلك من المتوقع ان تكون النتيجة في سلسلة الرميات الكبيرة هي لصالح الاخيرة لا الاولى. وكلما زاد عدد الرميات كلما زاد هذا التوقع لارتفاع عدد اعضاء المنطقة النوعية الاخيرة. والشيء ذاته ينطبق في حالة ما يحصل في جزيئات الغاز ضمن حاوية معينة، اذ ان الاعداد الضخمة للصور التوافيقية هي لصالح عدم الانتظامات الجزئية داخل الهيئة العامة للحاوية. لذلك لا نتوقع حصول انتظامات جزئية ضمنية، كأن تكون على هيئة دوائر او مثلثات او غيرها من الاشكال المنتظمة. والشيء ذاته يقال بالنسبة للظواهر ذات الجواذب الغريبة.

2ـ النظام الوظيفي: ويتميز بالوظيفة المعقدة الناشئة بفعل التعقيد البنيوي العشوائي. فلهذا التعقيد قابلية على توليد الوظائف المختلفة، وله وجود حقيقي، كما في النظم والآلات الحيوية، وكذا الآلات المصنوعة من قبل البشر. وعلمياً تم الاعتراف بالتشابه بين هذين العالمين، حيث كل منهما يتألف من اجزاء متفاعلة ومتناسقة فيما بينها باشكال مميزة ودقيقة، مع مدخلات محددة ومخرجات، وان بعض الاجزاء تتقبل الاستخدام في آلات اخرى بتعديلات طفيفة. ايضاً ان كلاً منهما يعمل على تحويل الطاقة الى شكل من اشكال الشغل.

وكان من بين هذه التشابهات ما لوحظ بأن وظائف الدنا في تخزين المعلومات وبرمجتها ومن ثم الاعتماد عليها في تخليق البروتينات يتشابه كثيراً مع التقنيات الحاسوبية المستخدمة اليوم في صناعة الكثير من الاجهزة الدقيقة.

مع اخذ اعتبار ان المعلومات في النظام الوظيفي مختلفة عن معلومات شانون التي لا تفرق بين التسلسل الاحتمالي المفيد للوظيفة والمعنى، وبين ذلك الذي لا وظيفة له ولا معنى. ففي معلومات النظام الوظيفي توجد اضافة لا تمتلكها لغة شانون، وهي الوظيفة او المعنى.

لذلك وفق معلومات شانون لا فارق بين صيغتي الكلام الحامل للمعنى وبلا معنى، فكلاهما يحملان القدر ذاته من المعلومات عند تساوي عدد حروفهما مع الفواصل. في حين لدى النظام الوظيفي زيادة خاصة تمتلكها صيغة الكلام الحامل للمعنى بخلاف الصيغة الثانية، والشيء ذاته ينطبق على عالم الحياة والمصنوعات البشرية ومجمل الابداعات الذكية. وجميعها يتوّج هذه الزيادة بالوظيفة بمعناها العام، وهي ما لا علاقة لها بمعلومات شانون.

هذا فيما يخص الوجود الحقيقي للنظام الوظيفي. وله وجود اخر اعتباري من دون تأصل طبيعي او صناعي، كما في الاحرف اللغوية، حيث انها لا تنتج المعنى ذاتياً، انما جرى الاتفاق البشري على جعلها منتجة لاغراض تتعلق بالحاجات الانسانية والاجتماعية.

وقد تصدق على هذا النظام القاعدة التالية:

يتناسب التعقيد الوظيفي طردياً مع التعقيد البنيوي. فكلما كان الاول اكثر تعقيداً، كلما دل على اشتداد تعقيد البنية. فالخلية العصبية لدى البشر مثلاً معقدة من الناحية الوظيفية اكثر من الخلية البكتيرية، لذا قد يستنتج من ذلك انها معقدة اكثر من حيث البنية ايضاً. والعكس صحيح.

مع ذلك فان هذه القاعدة تحتاج الى فحص واستقصاء للتأكد من مصداقيتها التعميمية.

ويلاحظ في هذا النظام ان العشوائية المنتجة للوظيفة تتميز بانها متولدة عن اسباب مخصوصة تختلف كلياً عن العشوائية المنتجة للانتظام في النظام التكراري. وبالذات انه وفقاً للمعيار اللاطبيعاني ان النظام الوظيفي (المعقد) لا يتولد الا عن اسباب ذكية. فعلاقته بالذكاء ذاتية بحسب المنطق الاحتمالي، خلافاً للنظام التكراري الذي يتولد عن اسباب اخرى مختلفة. وقد يتدخل الذكاء في انتاجه عرضياً.

كذلك ان ما يمكن ان تصنعه الصدفة من نظام في النظام الوظيفي له احتمال ضعيف جداً بما لا يقارن عما تصنعه في النظام التكراري. يضاف الى ان عدد التنظيمات الممكنة في الاول طيلة عمر الكون هو مما يمكن تحديده، ويعد قليلاً بما لا يقارن بعدد النظم الخاصة بالوظيفي من دون حدود.

3ـ نظام الضبط العددي الدقيق: وهو نظام حقيقي متأصل في عالم الكون والطبيعة، ويمتلك وظيفة حقيقية مثل النظام الوظيفي. لكنه يتميز عن الاخر بالعدد الرياضي، لذلك فهو اخص مما يسميه الفيزيائيون بنظام الضبط الدقيق، فهذا الاخير قائم على الضبط العددي، ويتجلى بقوانين عامة تمارس دورها في استقرار النظام الكوني وحفظه وملائمة نشأة الحياة وتطورها، وباشتراكها في هذه الملائمة يجعلها تنتمي الى النظام الوظيفي. لذا فتعويلنا على الجانب العددي من الضبط الدقيق مبرر، اذ تتصف الاعداد في هذا النظام بالثبات وعدم القابلية على تغييرها، وهذا ما يميزها عن تطبيقات النظام الوظيفي. فلو انها لم تكن كما هي عليه بشكل طفيف؛ لأدى ذلك الى فشل النظام الكوني العام، فلا كون ولا حياة ولا ذكاء.

وابرز الامثلة على هذا النظام الثوابت الفيزيائية، مثل ثابت بلانك وثابت البنية الدقيقة وثوابت القوى الطبيعية الاربع والنسب فيما بينها... الخ. اذ من المعلوم ان هذه الثوابت والنسب لها علاقة وثيقة بنشأة الكون واستقراره والحفاظ عليه من الانهيار، كما لها علاقة بنشأة الحياة والذكاء.

واول ما يلاحظ انه لا توجد خصوصية منتظمة تربط بين الاعداد الكونية الثابتة سوى علاقتها باستقرار النظام الكوني وحفظه مع تهيئة نشأة الحياة. مع هذا يمكن ان نفترض ان كلاً منها يقع في دائرة ضخمة من الاعداد المتخيلة، وحينها تكون الغالبية العظمى من هذه الاعداد عاجزة عن ان تساهم في صنع نظام الكون. وهو ما يعني ان الحيز المتعلق بالفئة القادرة على هذه المساهمة ضيق للغاية. لذلك فظهور عدد مناسب منها عشوائياً ضمن الاعداد الضخمة المتخيلة هو احتمال ضئيل جداً، فهو بمثابة (منطقة الرفض). ومن ثم يزداد الاحتمال ضآلة عند ضرب جميع احتمالات الاعداد الاساسية ببعضها، حيث لها علاقة بنشأة النظام الكوني واستقراره.

وسبب تسميتنا لهذا النظام بالضبط العددي الدقيق، هو لأنه قائم على افتراض تخيل قائمة اعداد كبيرة، وان انتخاب اي واحد منها عشوائياً هو في غاية الصغر والضآلة، وبالتالي فالقيم المنتجة للنظام هي قيم محدودة للغاية، وتشكل فيما بينها الفئة النوعية للنظام في قبال عدمه. لذلك فمن الناحية العشوائية المتخيلة ان ظهور احد افراد الفئة النوعية للنظام يعتبر ضئيلاً جداً، لكن مع هذا صادفنا تحقق هذا الاحتمال رغم ضآلة نشأته عشوائياً.

لذا يتميز هذا النظام وفق الافتراض المتخيل بالعشوائية والتعقيد وضآلة الاحتمال النوعي، كالذي صادفناه مع النظام الوظيفي، وان الوظيفة المتولدة عنه هي ايضاً معقدة لارتباطها بالتشكل الكوني واستقراره وقابليته على الحياة والذكاء.

كذلك فان هذا النظام وفق المعيار اللاطبيعاني لا يتولد الا عن الذكاء مثل سابقه الوظيفي.

4ـ نظام الرياضيات المجردة: وهو نظام موجود لدى الاعداد والحسابات الرياضية للعقل المجرد دون الطبيعة، وبعضها يمتاز بما يسمى بالاستقراء الرياضي. ومن الشواهد عليه انتظام سلسلة الاعداد التالية:

9 × 9 + 7 = 8 8

8 9 × 9 + 6 = 8 8 8

7 8 9 × 9 + 5 = 8 8 8 8

6 7 8 9 × 9 + 4 = 8 8 8 8 8

5 6 7 8 9 × 9 + 3 = 8 8 8 8 8 8

4 5 6 7 8 9 × 9 + 2 = 8 8 8 8 8 8 8

3 4 5 6 7 8 9 × 9 + 1 = 8 8 8 8 8 8 8 8

ورغم ان هذا النظام غير وظيفي من حيث طبيعته المجردة، كما انه غير ناشئ بفعل الذكاء، لكن يمكن للعقل ان يستخدمه لبعض الاغراض العرضية، مثل البحث عن الذكاء الخارجي. اذ من الممكن ارسال اعداد منتظمة كبيرة في الفضاء لغرض اكتشاف الذكاء. وفي المقابل لو اننا تلقينا مثل هذه الاعداد لأمكن تفسيرها وفقاً للذكاء دون ايعازها الى العوامل الطبيعية من الاسباب الفيزيائية والكيميائية، اعتماداً على المنطق الاحتمالي.

وسبق لكارل ساجان ان جسّد هذه الفكرة في روايته (اتصالContact ) عام 1985، اذ تضمنت الرواية إلتقاط المراصد الراديوية لنبضات متحركة من العد الثنائي، مثل (0،1)، ومن السهل تحويلها الى النظام العشري، وحينها تبين انها سلسلة اعداد اولية كبيرة، وبالذات بضع مئات من الاعداد الاولية ابتداءاً من رقم 2 فصاعداً، وبلا شك ان دلالتها القصدية واضحة، فمن الناحية التلقائية لا يعقل ان نحصل على انتظام معقد كبير وسط امكانات غير محدودة من الاعداد العشوائية فضلاً عن الشواش الفيزيائي. وعليه لا تفسير لهذا الانتظام سوى الدلالة على الذكاء. وفي عام 1997 تحوّل مضمون هذه الرواية الى فلم تحت العنوان ذاته، حيث الاشارة الى ان من الممكن الاستدلال على وجود الذكاء عندما نجد سلسلة كبيرة من ذبذبات الاعداد الاولية.

واهم ما يتميز به هذا النظام هو انه قابل لحمل التعقيدات المنتظمة خلاف غيره من النظم. وابرز مثال عليها سلسلة الاعداد الاولية الكبيرة، واقل من ذلك سلسلة الاعداد الفردية الكبيرة، فهي شاهد على وجود انتظام من نوع خاص مع التعقيد. وتعتبر معقدة، حيث لا يوجد ما يشترك كل عدد فيها مع غيره من الاعداد اشتراكاً ذاتياً يجعلها تتقبل الاختزال، لذا فهي منتظمة لاعتبارات عرضية غير ذاتية او حقيقية. اي ان انتظامها يأتي من اشتراك الاعداد الاولية في عدم قابليتها على القسمة على غيرها من الاثنين فصاعداً. كذلك الحال في اشتراك الاعداد الفردية بعنصر عرضي غير ذاتي هو العدد الفردي. والفارق بين هذين الصنفين من جهة، وبين الانتظام الحاصل في سلسلة الاعداد الزوجية مثلاً من جهة ثانية، هو ان الاخيرة تتصف بالاشتراك الذاتي لا العرضي، حيث كل عدد يتضمن جزءاً ذاتياً من غيره، وهو عدد الاثنين. وليس هو الحال مع الاعداد الاولية والفردية.

***

على ان اهم القواعد والنتائج التي توصلنا اليها هي كالتالي:

ثمة اربعة نظم مختلفة، اثنان منها يتعلقان مباشرة بالعشوائية كشرط توليدي، هما التكراري والوظيفي، يضاف الى نظام الضبط العددي الدقيق المشابه للوظيفي من بعض الوجوه،  واخيراً نظام الرياضيات المجردة.

يعتبر النظام التكراري بسيطاً، وتميل بنيته الى الانتظام عند زيادة التكرار العشوائي. وليس هو الحال مع النظامين الوظيفي والضبط العددي الدقيق، فهما معقدان وقائمان على بنية تمتاز بثلاثة شروط، هي كما عرفنا: العشوائية والتعقيد وضعف الاحتمال النوعي. مع اخذ اعتبار ان هذه الشروط بالنسبة لنظام الضبط العددي الدقيق قائمة على الافتراض المتخيل.

تتصف البنية المنتظمة في عالم الطبيعة بالبساطة وعدم التعقيد؛ باعتبارها نتاج التكرار والتماثل، لكنها تتضمن في الوقت ذاته التعقيد بفعل العشوائية الكبيرة. لذلك فالبساطة والتعقيد في هذا النظام نسبي. مع هذا فهي ليست معقدة بالشكل الذي نراه لدى بنية النظام الوظيفي، بل يغلب عليها النظام البسيط. وكقاعدة عامة يتناسب التعقيد مع التنظيم تناسباً عكسياً، فكلما زاد احدهما قلّ الآخر.

على هذا ليس من الصحيح ما اعتقده الفيزيائي النظري بول ديفيز من وجود حالات كثيرة من التعقيد المنتظم في الظواهر العائدة الى علم الاحياء، بل وفي الظواهر الفيزيائية حتى على فرض ندرتها، واستشهد بثلاث حالات على هذا التعقيد، هي المجرة الحلزونية وقوس قزح والنموذج الانحرافي لحزمة ضوء ليزرية. فقد اعتبر هذه الحالات تتصف بالتعقيد والنظام في الوقت ذاته، كما في كتابه (أصل الحياة) في حين نرى ان بعضها يعبر عن قانون طبيعي صارم كما في قوس قزح، وبعض اخر يعبر عن تجليات منظمة قائمة على تعقيدات نسبية نتيجة العشوائية الضمنية، اما شكلها العام فيعبر عن الانتظام بفعل التكرار والتماثل، كما في المجرة الحلزونية. وفي جميع الاحوال انها ليست معقدة بالشكل الذي يناظر البنى الحيوية. وبالتالي لا البايولوجيا ولا الفيزياء يحملان تعقيدات منتظمة الا بالمعنى النسبي الذي اشرنا اليه. بل لا وجود لمثل هذه التعقيدات الا في عالم الرياضيات المجردة كما اسلفنا.

لا يمكن للبنية المنتظمة ان تنتج سوى الوظائف البسيطة. ومن ثم فالعلاقة بين البنية المنتظمة والوظائف المعقدة عكسية.

ترتبط البنية العشوائية بالنظام الوظيفي المعقد بعلاقة طردية.

ان كلاً من النظامين المعقدين الوظيفي والضبط العددي الدقيق يقعان ضمن دائرة بنيوية ضيقة جداً؛ هي بمثابة (منطقة الرفض) مقارنة بسائر الحالات الممكنة ضمن البنية العشوائية لكل منهما. وهذا ما يجعلهما بحاجة الى تفسير غير طبيعاني قائم على عنصر التوجيه الذكي، فهما دالان على الذكاء من حيث الذات لا العرض، خلافاً للنظامين الاخرين، حيث لا علاقة لهما بالذكاء الا من حيث الاستخدام العرضي.

يرتبط الاستدلال على الذكاء بضعف الاحتمال، سواء كان نوعياً او شخصياً، وسواء تحقق ذلك بفعل النظام الوظيفي المعقد وما على شاكلته ذاتياً، او تحقق بشكل عرضي، ضمن بعض الشروط، كما في الحسابات الرياضية للنظامين التكراري والرياضيات المجردة.

8ـ ثمة فارق في الدلالة على الذكاء بين الحسابات الرياضية - للنظامين التكراري والرياضيات المجردة - من جهة، والنظام الوظيفي وما على شاكلته من جهة ثانية. فدلالة الاولى على الذكاء لا تتجاوز الانتظام المجرد بشكل عام دون ان تقول شيئاً من حيث المضمون والخصوصية، وان عدد الانتظامات محدود للغاية، وهو بالنسبة الى عمر الكون المقدر حالياً بحوالي (14 مليار عام) عبارة عن 495 حالة. في حين للثانية تحديدات ماهوية خاصة، بحيث يختلف كل تحديد عن الاخر، مثل اختلاف الوظائف فيما بينها، ومثل ذلك اختلاف المعاني اللغوية، وان حالاتها في عالم الطبيعة والحياة لا تعد ولا تحصى.

ونشير اخيراً الى انه سبق لديمبسكي ان ربط بعض الظواهر بالذكاء لخضوعها لمعيار دقيق اطلق عليه التعقيد المخصص او المحدد، كما سنتعرف اليه في دراسة مستقلة.

comments powered by Disqus