-
ع
+

المدرسة النمطية والتطور

يحيى محمد

سبق لداروين ان قدّم في (اصل الانواع) عدداً من الادلة المتعلقة بتطور الكائنات الحية، وكان من بينها تشابه الصفات لدى هذه الكائنات والتي اعتبرها دالّة على وجود سلف مشترك، وهو ما يعرف بالدليل المورفولوجي. فبحسبه ان جميع الحيوانات نشأت على الارجح من اربعة او خمسة جدود عليا فقط، وكذا تقريباً النباتات او اقل من ذلك.. ثم ان جميعها قد انحدر عن نموذج اصلي واحد وفقاً للتشابه analogy. فالحيوانات والنباتات لديها الكثير من الاشياء المشتركة كتكوينها الكيمياوي والخلوي وقوانينها الخاصة في النمو وغير ذلك.

والمثال النموذجي الذي يُعرض حول التشابه هو خماسية الاصابع لاطراف رباعيات الارجل لعدد من الفقريات المختلفة. فيد الانسان ومخلب الخلد وساق الحصان وزعنفة خنزير البحر وجناح الخفاش كلها مؤلفة من خمسة اصابع مع نسخ معدلة من العظام نفسها في المواقع النسبية نفسها، وكل ذلك من وجهة نظر داروين يثبت السلف المشترك.

كما ان عظام الاطراف الامامية في الفقريات تعتبر لدى داروين دالة على التماثل، فعظام العضد والذراع والرسغ والكف والأصابع، يمكن إلحاقها كلها بنظائرها في الفأر والكلب والحصان والخفاش والخلد وخنزير البحر والإنسان، عظمة بعظمة. فهذا المثال يثبت ان العظام قد تحورت بتعديلات لتتكيف مع طرق الحياة المختلفة، لكنها ظلت مبنية على نفس المخطط الأساسي للهيكل الذي ورثته من سلف مشترك.

والفكرة الاساسية التي عول عليها داروين في هذا المجال هي ان هذه الاشكال المختلفة وكذلك اسلافها المشتركة والوسائط التي تتوسط فيما بينها كلها كانت ذات تكيفات وظيفية. وقبل داروين كان الاعتقاد السائد ان التكيف البايولوجي له دلالة غائية؛ لولاها لما كان للحياة ان تصمد وتستمر دون ان يكون لها علاقة بالتطور. أما بحسب الوظائفية الداروينية فان التكيف هو المبدأ المنظم الجوهري الرئيسي او الوحيد للبايولوجيا. لذا تعتبر التشابهات المحددة للنمط، كالاطراف الخماسية الاصابع، هي تكيفات مبنية على الانتقال التراكمي اثناء مسار التطور لتخدم نتائج تكيفية مختلفة. ومن ثم انها ترفض الفكرة البنيوية القائلة بوجود قانون فيزيائي متأصل في النظم البايولوجية.

وكانت هذه النقطة من اهم مواضع النزاع بين علماء القرن التاسع عشر، بحيث اظهرت نموذجين متنافسين للتفسير. فقد تبنى معظم علماء الاحياء خلال القرنين الثامن والتاسع عشر نموذج الانماط المتقطعة في الطبيعة. ومن هؤلاء عالم النبات السويدي ومؤسس علم التصنيف الحديث كارل لينوس وكافييه واغاسيز واوين ولايل قبل تحوله الى التطور بعد قراءة (اصل الانواع). وكان الاعتقاد الشائع انذاك هو ان التشابه الحاصل في الطبيعة لا يدل على التطور ولا على وجود سلف مشترك. فرغم التشابه بين الكائنات الحية؛ الا انها تحمل في الوقت ذاته انماطاً وطُرزاً أولية متقطعة من التصاميم.

ويُقصد بالانماط والطرز الاولية هو ان جميع الافراد المنتمين الى صنف محدد متساوون في البعد عن اصناف اخرى، كما انهم متكافئو التمثيل للطراز الاولي الخاص بصنفهم. وبحسب وجهة نظر اصحابها ان هذه الانقسامات عميقة بحيث تجعل التفسير الدارويني غير معقول بطريقته التدرجية التراكمية القائمة على الوسائط، الامر الذي ينفي وجود سلف مشترك. وبالتالي فالحياة عبارة عن ظاهرة متقطعة من دون ارتباط تسلسلي. اذ لكل صنف اعضاء وخصال مشتركة لا توجد في غيرها. وبذلك مثلما يتساوى جميع افراد الصنف في النمط البنيوي؛ فانهم يتساوون ايضاً في البعد عن اعضاء الاصناف الاخرى. الامر الذي يجعل هذه الطرز غير قابلة للتحول لدى افراد الصنف الواحد. وهذا يعني ان العالم مقسّم الى شعب رئيسية دون ان ترتبط بعوامل تطورية.

فعلى سبيل المثال تتكافأ جميع انواع الثديات (اللبائن) في تمثيلها لطراز الثدي الاولي، ولها خصائص تنفرد فيها عن غيرها، ومن ذلك تفردها في الشعر، وفي القشرة المخية كطبقة خارجية للدماغ. كما تتكافأ كل انواع الطيور في تمثيلها للطراز الطيري الاولي، ولها عدد من الخصائص المميزة التي تتفرد بها بشكل مطلق مثل الريش، والجهاز الرئوي ذي التدفق المستمر الفريد من نوعه، كذلك نصفي الكرة المخية المتضخمة بشكل كبير ومختلفة تماماً عن البنية المخية للثديات. لذا فعندما يقارن نوع من احد الاصناف - كالطيور مثلاً - مع غيرها؛ فستكون جميعها متساوية في البعد عن الغير طبقاً لخصائصها الطيرية الاساسية. وبالتالي لا يوجد اي نوع من الطيور له قرابة باي نوع اخر لا طيري. فالطير طير، والزاحف زاحف، واللبون لبون، والسمك سمك... الخ.

لكن رغم هذه التماثلات توجد اختلافات داخل الصنف الواحد المتقاطع مع غيره، وهي من وجهة نظر انصار الانماط ليست بذات اهمية جذرية، وتكاد تكون هذه الاختلافات كالاختلافات النويعية داخل النوع الواحد، حيث لا تشكل اهمية بقدر التطور النوعي بالنسبة للقائلين بالانحدار والاصل المشترك. وبحسب ارنست ماير انه بالنسبة لعلماء الانماط يكون النمط امراً حقيقياً والتباينات وهماً، بينما بالنسبة للتطوري فان النمط فكرة مجردة، والتباينات هي الحقيقة فقط. لذا أكّد انه لا توجد رؤيتان الى الطبيعة اكثر اختلافاً منهما.

النمط البنيوي والتكيف الوظيفي

لم يقتصر الخلاف بين النظرية الداروينية ونظرية الانماط حول تقطعات الكائنات الحية، بل شملت الخلاف حول التكيف الوظيفي. فاصحاب نظرية الانماط ينفون ان تكون جميع خصائص هذه الكائنات تكيفية وظيفية كما تدعيها الداروينية، مع تسليمهم بعدم نكران بعض الصفات التكيفية الواضحة؛ كتنوع اطراف الفقريات ضمن اصنافها الخاصة، مثل الزعانف للسباحة، والايدي للامساك، والاجنحة للطيران.. وعلى هذه الشاكلة جملة من الصفات كالريش والمخلب والحجاب الحاجز والغدد الثديية وغيرها من الصفات. لكنهم لا يتقبلون تفسيرها وفق المنطق التدريجي والانتخاب الطبيعي كما تذهب اليه الداروينية. اما الاساس الذي يعولون عليه فهو وجود الكثير من الصفات الاعتباطية غير التكيفية؛ مثل الطراز الاولي خماسي الاصابع والعدد الفردي لقطع ديدان الحريشة – حشرة ام اربع واربعين - والدوارات المتحدة المركز في نبتة الزهرة وغيرها..

وهم يعتبرون ان هذه الصفات تند عن ان تُفسر وفق التكيفات الداروينية، بل لها اسباب داخلية، وان كانوا يقرون بالجهل في معرفة هذه الاسباب.

وكان من جملة الامثلة التي اعترضوا فيها على التفسير الدارويني عدد الاصابع لدى رباعيات الارجل، ففي الماضي السحيق كان العدد يتمثل في ثمانية، او سبعة، لكنها استقرت الى خمسة حالياً. وهذا ما يشكل عقبة على التفسير الدارويني التكيفي الوظيفي. وكما يقول مايكل دنتون: لماذا مثل هذه الاعداد، وكيف يفسر العدد السحري (خمسة) ؟.

وعلى هذه الشاكلة هناك الكثير من الكائنات الحية احادية الخلية لها اشكال هندسية مختلفة ما زالت على ما هي عليه منذ القدم، واقرب الى ان تكون قد تشكلت بفعل مباشر للقوانين الفيزيائية دون الوظيفة التكيفية. كذلك توجد نسبة هائلة من النظام النباتي باوراقه الهندسية واعداد البتلات المختلفة التي من الواضح انها لم تخضع لوظائف تكيفية. وجميع هذه الظواهر تعمل على قتل النظرية الداروينية القائمة على ما يفعله الانتخاب الطبيعي من نتائج تكيفية.

وعموماً تعترف نظرية الانماط البنيوية بوجود مزيج من نمطين مختلفين من النظام العضوي، احدهما اولي يتضمن التشابهات المحددة لاصنافها والذي يتولد بقوانين طبيعية.. والثاني تكيفي ثانوي تفرضه المحددات البيئية، سواء بالاليات الداروينية او غيرها.

فالبنية بحسب نظرية الانماط هي الاصل الذي تتحدد به الوظيفة، خلافاً لوجهة نظر الوظائفية ومنها الداروينية، حيث ترى الوظيفة هي الاصل الذي تتحدد به البنية.

وابرز من يمثل نظرية الانماط عالم التشريح ريتشارد اوين، كما فصل الحديث عنها في (طبيعة الاطراف). وهو العالم الذي سبق له ان اسس متحف التاريخ الطبيعي في جنوب كنسيغتون بلندن، وله مساهمات كبيرة في علم التشريح المقارن وعلم الاحافير خلال القرن التاسع عشر، ويعزى له ابتكارات مصطلح الديناصور وتعريف مصطلح التشابه homology، فضلاً عن انه احدث نظام تصنيف لاحافير الزواحف. وبالنسبة الى مذهبه فانه يعتقد بوجود درجة كبيرة من التنظيم المتأصل في النظم الحية المسماة النماذج الاولية، او الصفات المتشابهة الاساسية المحددة للصنف، او التصاميم التي يجري عليها التنوع التكيفي للحياة. وهو لم يرفض نظرية التطور جملة وتفصيلاً؛ بل اعتقد بها ضمن حدود، اذ رأى ان التطور كان مقدراً سلفاً بسبب السعة الطبيعية او قوة التغيير، لكن قوانين ذلك غير محددة، وهي قوانين الشكل المحيرة المشهورة. وكان قد كتب اولى واهم المراجعات النقدية لكتاب (اصل الانواع). كما كانت معارضته للداروينية علمية وليست دينية كالتي يتهم بها الكثير من المعارضين للتطور الدارويني. وهذا ما اكّده البايولوجي مارتن رودويك الذي اضاف بان اوين لم يرَ اي دليل بين الاحياء او في السجل الاحفوري ما يدعم فكرة التحول التدريجي.

لقد اشار اوين الى زعنفة بقر البحر وقدم الحصان والطرف الامامي للخلد وجناح الخفاش معتبراً ان لها بنية مشتركة لكنها ذات تكيفات مختلفة. ومن وجهة نظره ان الاشتراك في البنية غير دال على الوظيفة. بل اعتبر ان النماذج العميقة المتشابهة، مثل التصميم خماسي الاصابع لاطراف رباعيات الارجل، كانت جوانب راسخة في نظام العالم، وانها ظهرت بطريقة ما من السمات الفيزيائية المتأصلة للكائنات الحية. لهذا تُعرف بالانماط البدائية والطرز الاولية.

وبحسب اوين ان الطرز الاساسية لا تخدم اي غاية محددة، وانما هي اساسية لكنها عامة ليشتق منها أشكال تكيفية وظيفية مختلفة، فهي قد تحددت بفعل عوامل في صميم الطبيعة، وانها تسمو فوق اي خاصية وظيفية. فهي كالهيولى في قبال الصورة حسب التعبير الفلسفي التقليدي.

وعموماً كان البايولوجيون قبل داروين يرون التشابه والاشتراك في الصفات هي انماط طبيعية بنيوية ولها نماذج هندسية وعددية اعتباطية مختلفة لا تعزى الى وظيفة تكيفية او الى انتخاب طبيعي.

مع هذا ليس لدى اوين ولا غيره من علماء الاحياء قبل داروين فكرة حول تحديد القوانين التي تولد الصفات المتشابهة. فأوين يعترف بان الطبيعة الدقيقة لهذه القوانين تبقى محيرة، اي انه لا يوجد تفسير علمي. لكنه اعتقد بان هذه الصفات هي اشكال طبيعية كالبلورات، فمثلاً ان تكرار اقسام متماثلة في العمود الفقري للفقريات يشابه تكرار البلورات المتشابهة، وكثيراً ما يتم تشبيه الظواهر الحيوية بالبلورات، مثل تشبيه الخلايا بها. وهو يعتبر ان الانماط والطرز الاولية تعكس هدفاً سامياً للارادة الالهية.

والمعتقد ان علم الانماط له قواعد ميتافيزيقية، فهو يبدو قديماً ومرتبطاً بالاطار الديني وبمفهوم الغائية في الوجود وبنظرية الخلق الخاصة، وبرؤية عالم القرون الوسطى للتدخلات الاعجازية. لذا فقد تم رفضه لمناقضته لمعيار الطبيعانية. بل واتهم انه نتاج فكرة دينية لا علمية، خاصة بعد ان ظهر (اصل الانواع). وقد وصف دنتون استمرار هذا الاتهام بانه احد خرافات القرن العشرين البايولوجية.

وهذه هي نقطة ضعف اصحاب نظرية الانماط والطرز الاولية، وقد استغلها داروين ضدهم، معتبراً فكرة الانماط تظهر حالة الخلق المباشر، وهي لهذا لا تدخل ضمن اطار التفسسير العلمي، خلافاً لطريقته في التطور. وقد أشار في (اصل الانواع) الى ان اوين في اكثر اعماله اثارة للتشويق المنصب على الطبيعة الخاصة بالاطراف “قد أسعد الخالق ان يقوم بتشييد جميع الحيوانات والنباتات الموجودة في كل طائفة كبرى بناءاً على خطة موحدة، ولكن هذا ليس تفسيراً علمياً”. كما اشار في (نشأة الانسان والانتخاب الجنسي) الى ان تفسير التماثل الخاص باطراف تلك الحيوانات طبقاً لاعتبارها تخضع لنفس الخطة النموذجية هو ليس بتفسير علمي.

وفي القبال تعجز نظرية داروين عن ان تفسر الكثير من الظواهر التي اشارت اليها المدرسة النمطية. فهي ترى لكل شيء في الحياة وظيفة تكيفية، وهي فكرة تتشابه مع الغائية الدينية القائلة بان لكل شيء في الكون والحياة لا يخلو من غرض وحكمة.

وحديثاً ظهر من يؤيد فكرة الانماط التي كان يؤمن بها اوين وغيره من علماء القرن التاسع عشر وما قبله. وهذا ما نجده بوضوح عند عالم الاحياء الملهم مايكل دنتون، فرغم ان مؤلفاته قليلة جداً ولا تتجاوز ثلاثة كتب فقط، لكنها من اروع النتاجات المحكمة التي ناهضت الفكر الدارويني علمياً، وكان الاول منها (التطور: نظرية في ازمة) عام 1985 قد ألهم عدداً من قيادات التصميم الذكي، مثل فيليب جونسون ومايكل بيهي، ثم اتبعه بكتاب (قدر الطبيعة) عام 1998، واخيراً كتابه الرائع (التطور: ما يزال نظرية في ازمة) عام 2016. وفي كتابه الاخير دافع دنتون عن الانماط كاشكال طبيعية ناشئة عن التنظيم الذاتي لاصناف معينة من المادة وجزء من نظام الكون الثابت والمبني على قوانين. وافترض ان كل المتعضيات على الارض هي اشكال طبيعية باعمق مفهوم للكلمة، ولا تقلّ طبيعية عن بلورات الملح او الذرات او شلالات المياه او المجرات. فالتصميم مؤسس على قوانين الطبيعة لا غير، كالذي نصّ عليه في (قدر الطبيعة).

بل ورأى ان الحل الوحيد في القرن الواحد والعشرين هو تبني نسخة جديدة من بايولوجيا قوانين الشكل، تكون فيها الانماط كاشكال طبيعية مبنية على قوانين مشابهة لاشكال المجال اللاعضوي مع الرجوع الى الغائية في اعتبار ان قوانين الطبيعة مضبوطة بدقة وذكاء، كالذي اشار اليه في (التطور: ما يزال نظرية في ازمة).

ومن ضمن الامثلة التي عرضها في فشل التفسير الدارويني ما يفترض حول تطور زعنفة السمكة تدريجياً الى طرف خماسي الاصابع لاحد رباعيات الارجل، وان هذه الاشكال الوسطية كانت تكيفية في بيئاتها، مما يعني ان الشكل كان مرناً حتى تغير من الزعنفة الى الطرف تدريجياً عبر ملايين السنين. لكن هذا يفرض صعوبة فهم كيف ثبت النمط الخماسي في النهاية، او ثبتت الصفة المرنة المتشابهة، فلماذا اصبحت ثابتة عندما ظهر النمط الخماسي الاصابع؟.

لذلك صرح بانه لا يوجد دليل يؤيد ان الصفات المتشابهة قد قامت يوماً ما بوظائف تكيفية. ولو ان داروين ادرك ذلك لما ادعى انها كانت تكيفية في الاشكال السلفية المفترضة، ولما كتب (اصل الانواع) ابداً. ثم اعتبر ان داروين في (اصل الانواع) استند الى سوء فهم اساس لطبيعة الصفات المتشابهة؛ قائم على فشل جذري في ادراك المقتضيات التي تحداه بها اوين والتي تقول بعدم وجود اساس للاعتقاد بان النماذج الاولية، كالطرف او المخطط الجسدي للحشرات، قد شكّلت كائناً محدداً حقيقياً للوصول الى نهاية وظيفية محددة. اي انه لم يثبت قط ان جزءاً كبيراً من النظام في الكائنات الحية كان نتيجة تكيفية، سواء في الكائنات الحالية او القديمة. ومن ذلك انه لا يوجد لمخططات الاطراف خماسية الاصابع والازهار ونمط العروق في جناحي الحشرات وغيرها ادنى دليل على وجود فائدة لها حالياً او في الاشكال المنقرضة.

وعموماً توصل دنتون الى ان استخدام نفس الذرات والبروتينات والخلايا والدارات الجينية وغيرها لتكوين الزعانف والاطراف والحراشف والريش وما اليها؛ هو واقع لا يدل على نشوء هذه الصفات تدريجياً، بل ان هذه الاشكال هي طبيعية داخلية، كالذي اعتقده اوين من قبل، بل واتبع خطاه في الاعتراف بالتطور النوعي، وكما قال في (التطور: نظرية في ازمة): ثبت عدم امكانية تطبيق مسلمات علم الانماط على مستوى الانواع، فالانواع قادرة على التطور، بل هي تتطور فعلياً، ويمكن ربط العديد منها بانواع اخرى من خلال سلسلة تنويعات او انواع فرعية وسيطة واضحة. اذن لا يمكن رسم حد فاصل ومميز بين المستويات التصنيفية الادنى، لكن يكاد يكون النموذج التنميطي شاملاً في المستويات الكائنة فوق الانواع.

مع هذا فقد جعل دنتون لوجود الانماط التي لا تقبل التدرج باباً مفتوحاً، وكما صرح في الكتاب المشار اليه قائلاً: "تشير الأنماط التسلسلية للعلاقات بين الأصناف إلى نظرية الانحدار نوعاً ما، لكنها لا تخبرنا أي شيءٍ عن كيفية حدوث هذا التطور أو الانحدار، أي ما إذا كانت العملية تدريجية أو مفاجئة، أو إن كانت الآلية المسببة تتبع الداروينية أو اللاماركية أو المذهب الحيوي أو حتى المذهب الخلقي. ولهذا فإنّ نظرية الانحدار مجردة من أي معنى هام ومتوافقة بالتساوي تقريباً مع جميع المذاهب الفلسفية الطبيعية".

هذا ما انتهى اليه عام 1986، لكنه بعد ثلاثين عاماً اعاد النظر في ذلك بعد اشارته لتلك الفقرة، فاستطاع ان يحدد مصدر وجود الانماط والاصناف بعد رفضه التام لنظرية التدرج الدارويني. واعتبر ان من المغالطات الكبيرة اعتبار فرضية الانماط المتأصلة تتعارض مع فكرة الانحدار والتعديل. لذلك فقد استنتج بان هذه الانماط يمكنها ان تنشأ فجأة في لحظة من تطور السلالات. ومن ذلك ما حصل في أصل رباعيات الأرجل، فعندما اكتسبت بعض أفراد قبيلة أسماك لحميات الزعانف lobe–finned fish أطرافاً، وهي صفة مستجدة عظيمة، فانها بذلك فتحت إمكانية الحياة البرية وأدت في نهاية المطاف إلى استعمار الأرض من قبل الفقريات. لذلك فان هذه القفزة السريعة او الانتقال المفاجئ، تجعل البحث عن وسائط انتقالية لا جدوى منه، اذ لا توجد مثل هذه الوسائط في الحفريات كما يبشر بها داروين. ويصبح السجل الاحفوري بذلك لا يعاني من نقص كما يتصوره اغلب العلماء.

لذلك رأى دنتون ان علم الانماط متوافق تماماً مع فرضية "الانحدار مع التعديل". فالتعديلات هي صفات متشابهة مستجدة مُحددة لأصنافها، وقد حدثت أثناء عملية الانحدار خلال تطور السلالات. ومن ثم فانه يعتبر ان جميع الكائنات الحية مرجعها سلف مشترك، لكن ذلك لا يعني انها تحولت بالطرق التدريجية كما تدعيها الداروينية.

فالتدرج شيء والانحدار عن سلف مشترك شيء أخر مختلف. وبعبارة ادق ان فكرة السلف المشترك أعم من فكرة الانحدار التدريجي كالتي يؤمن بها داروين.

لقد اختار دنتون مصطلح "الانحدار مع التعديل" معتبراً اياه اكثر دقة من مصطلح "التطور"، معللاً ذلك بان الاخير يقصد منه في الغالب مفهوم التدرجية، اي الظهور التدريجي لنوع جديد عبر سلسلة طويلة من الأشكال الانتقالية، وهو قد رفض هذه الفكرة بشكل مطلق، لافتقارها للادلة التجريبية.

comments powered by Disqus