-
ع
+

المشاكل التي واجهتها الداروينية (1-2)

يحيى محمد

واجه داروين العديد من المشاكل الصعبة حول نظريته في الانتخاب الطبيعي والتطور المتدرج، كما لاقى الكثير من اعتراضات العلماء في عصره. وتجنب علماء الحفريات اطروحته لمدة طويلة من الزمن، حيث اعتقدوا بان الانواع ثابتة في العصور السابقة مثلما هي الحال في الوقت الحاضر، كالذي صرح به نيلز الدردج. وكان من ابرز علماء الحفريات الذين اشار اليهم داروين بالمعارضة لفكرة التحول النوعي كل من كوفييه Cuvier وأوين Owen وأجاسيز Agassiz وباراندي Barrande وفالكونر Falconer وفوربس Forbes، ومثل هؤلاء جميع الجيولوجيين امثال: لايل Lyell – قبل تراجعه - ومورشيسون Murchison وسيدجوك Sedgwick وغيرهم.

لقد سجّل داروين صعوبات اربع ذكرها مجملة في صفحة واحدة من (اصل الانواع)، ثم اجاب عن كل منها بالتفصيل، وهي كما يلي:

1-          لماذا لا نرى عدداً لا حصر له من الانواع التوسطية والاشكال الانتقالية؟

2-          كيف نصدق بان الانتخاب الطبيعي يؤدي الى تكوين العين او تركيب وسلوك الخفاش وغيرهما من التراكيب المعقدة المنتظمة؟

3-          كيف يمكن للغرائز ان تتعدل او تتطور مثل ما يقوم بها النحل في صنع الخلايا؟

4-          كيف يمكن تفسير وجود الذرية العقيمة او العاقرة؟

هذه هي الصعوبات التي سجلها داروين ثم بدأ بالاجابة عنها واحدة تلو الاخرى، مع ما صادفه من صعوبات اخرى غيرها.

وما يميز الثلاثة الاخيرة انها تتحدث عن كيفية نشوء النظم المعقدة للكائنات الحية، وبعضها ناظر الى التعقيد البنيوي، كما في مثال تركيب العين واذن الخفاش ضمن الصعوبة الثانية، فيما بعضها الاخر ناظر الى التعقيد الوظيفي، كما في كيفية نشوء وظائف معقدة للغاية، كالغرائز، مثلما يقوم بها النحل في صنع الخلايا. في حين ان الصعوبة الاخيرة لها علاقة بالانتخاب الطبيعي من حيث ان انتقاءاته لا تكون من غير فائدة، وبالتالي كيف يمكن تفسير وجود ذرية عقيمة وتبدو اقل فائدة مما لو كانت غير عقيمة.

ومن حيث التفصيل بدأ داروين بتناول تلك الصعوبات على التوالي.. وسوف نعالجها ضمن عنوانين رئيسيين يتعلقان بمشكلتي الحلقات الوسطى والنظم الحيوية المعقدة، كما يلي:

1ـ مشكلة الحلقات الوسطى

لقد ادرج داروين هذه المعضلة ضمن الصعوبة الاولى القائلة: لماذا لا نرى عدداً لا حصر له من الانواع التوسطية والاشكال الانتقالية؟ وكرر ذكرها ضمن اعتراضات الاخرين عليه في الباب السابع من (اصل الانواع). ويفيد الاعتراض انه منذ بداية العصر الجليدي والى هذا اليوم لم يلاحظ اي تحول في الحيوانات رغم انها تعرضت لتغيرات مناخية ضخمة وارتحلت الى مسافات شاسعة.

واجاب على هذه الصعوبة اعتماداً على ما افاده عدد من العلماء من معلومات تتعلق بالضروب او السلالات الناتجة عن التزاوجات، فعادة ما تكون الضروب المتوسطة بين اثنين من الاشكال اكثر ندرة عددياً من الاشكال التي تربط بينها. فالضروب المتوسطة لا تتحمل البقاء لمدة طويلة جداً، وهي معرضة للفناء بسبب منافسة الكميات الكبيرة من الاشكال الاخرى.

كما ذكر عدة مبررات للاجابة حول علة غياب الحلقات المتوسطة، اهمها احتمال ان تكون الضروب المتوسطة قد تكونت في المناطق الوسيطة ضمن بقعة جغرافية متصلة وباعداد اقل من تلك الضروب التي تميل الى ان تربط بينها، وسوف يكون لها في العادة فترة قصيرة للبقاء، ومن ثم انها قابلة للابادة العرضية. وهو ما كرر ذكره كناتج مرجح.

واشار الى ان عملية الانتخاب الطبيعي تميل الى ابادة الاشكال الابوية والحلقات الوسطى، معتبراً الابادة والانتخاب الطبيعي يمضيان متعاونين معاً، حيث تباد الاصول والاشكال الانتقالية وتبقى الانواع الجديدة المفيدة والاصلح.

ولعل افضل تبرير لما حدث من ابادة الضروب الوسطى والابوية هو ان داروين وجد بعض الحفريات ورآها تمثل حالات وسطى وابوية، رغم قلتها، مثل الحصان المنقرض ثلاثي الحوافر، فهو متوسط بين الاشكال الموجودة حالياً، وبين اشكال احصنة اكثر قدماً ذات خمسة حوافر او اصابع للقدم. فالابادة قد لاحت ما هو متوسط وابوي معاً. رغم ان هذا المثال لا يتعدى حدود النوع الواحد، وهو لا يدل على وجود نوع جديد مختلف تماماً. لذلك اعتبره مايكل دنتون مع عدد من الامثلة بانها غير مقنعة في الدلالة على المطلوب.

وعموماً ان للحصان سلسلة من الاسلاف بعضها رباعية الحوافر، واخرى ثلاثية، وحتى ذات حافر واحد. وسبق ان تنبأ هكسلي بوجود خمسة حوافر، وبعد فترة وجيزة تم اكتشاف هذا الحيوان.

وثمة مثال اخر مشهور كثيراً ما يشار اليه بانه دال على التوسط بين شعبتين حيوانيتين، وهو طائر الاركيوبتركس Archaeopteryx المنقرض، والذي اُعتبر متوسطاً بين الطيور والزواحف. وهو من النماذج النادرة جداً، لذلك تعرّض للكثير من الجدل ان كان دالاً على التوسط بالفعل ام انه مستقل؟.

وتواجه نظرية داروين بهذا الصدد مشكلتين عادة ما يعبر عنهما بغياب الحلقات الوسطى ونقص السجل الاحفوري. وكما لخصهما بانه اذا كان التطور يجري بشكل تدريجي، فلماذا لم نجد الحلقات الوسطى؟ كما لماذا لم يُظهر لنا السجل الاحفوري بقايا هذه الحلقات؟

ومن حيث التفصيل: اين هي الضروب والحلقات الوسطى في عالم الكائنات الحية؟ اذ يفترض انها كثيرة جداً وغير محصورة؟ ومع ان داروين حاول التنصل من هذه المشكلة ليبين انها كانت سهلة الانقراض ومن ثم نقلها الى سجل الحفريات، لكن لو صدقت هذه النبوءة؛ كيف امكن للتطور ان يستمر؟ فما كان سهل الانقراض لا يمكنه ان يولد نوعاً جديداً قابلاً للبقاء..

بل حتى مع تقبل تعرّض هذه الحلقات الى الانقراض؛ اين هي مخلفاتها في السجل الاحفوري؟ اذ يفترض انها كبيرة للغاية، بل وتفوق اعداد ما نراه من حيوانات؟ فلماذا لا يحفل السجل الاحفوري بالاشكال الانتقالية؟

لقد اعترف داروين بان هذه المعضلة في نقص السجل الاحفوري سببت له الكثير من الارباك لمدة طويلة من الزمن، كما اثارت مع غيرها من الصعوبات، ولسنوات عديدة، حجماً من الشكوك الثقيلة على نفسه ازاء نظرية التطور.

وفيما يخص ثغرات السجل الاحفوري اشار داروين الى اعتراضات الناقدين، اذ تظهر مجموعات كاملة من الانواع فجأة دون وجود ما يشير الى التسلسل، وقد حاول ان يبرر ذلك بافتراض وجود البحار والمحيطات التي غطت كل شيء. فبسبب ضخامتها تم سحق الاحياء البدائية، ومن ثم غاب الدليل على الحياة في المراحل الاولى من تاريخ الارض. وفي رسالة له الى صديقه آسا غراي اعتبر ان من الواجب على الخيال ان يملأ الفراغات العريضة، وتذرع بان السجل الاحفوري ناقص لاسباب جيولوجية.

وثمة من دافع عن نظرية داروين لتخفيف معضلة نقص السجل الاحفوري، وكما اشار مايكل روس الى ان التقديرات الحديثة لعمر الارض قد بينت بانه طويل ويبلغ حوالي 4.5 مليار سنة، وان معظم فجوات هذا السجل قد تم ملؤها، وبصفة خاصة الزمن الذي كان يسبب ازعاجاً لداروين، اي ما قبل عصر الكامبري Cambrian، حيث تم العثور على وجود حياة قبل 3.5 مليار سنة. واقدم حفرية تم اكتشافها تعود الى هذا الزمن المشار اليه، وهي بكتيريا ذاتية التغذية وقادرة على التخليق الضوئي وبالتالي منتجة للاوكسجين.

فقد كانت الارض على مدار 3 مليارات سنة تقتصر على الكائنات وحيدة الخلية، ثم بدأ العصر الإدياكاري Ediacaran، ويؤرخ له بمدة قريبة من 100 مليون سنة (635-541 مليون عام). ويعتقد ان ظهور الكائنات الحية في هذا العصر كان لاول مرة منذ حوالي 600 مليون سنة، حيث ظهرت اولى الكائنات المعقدة المتعددة الخلايا، وازدهرت حتى أعتاب العصر الكمبري قبل 542 مليون سنة، وكان اخر ظهور لها عند مطلع العصر الاخير. وتميزت حيواناته بانها رخوية انبوبية غامضة على هيئة السعفة، وتمثل اقدم الكائنات الحية المعقدة متعددة الخلايا. لكنها تعرضت للانقراض باستثناء القليل الذي استمر بقاؤه حتى العصر الكامبري.

ويعتقد ان بعض الرخويات في هذا العصر تحولت الى حيوانات ذات اصداف صلبة شائعة لدى البحار الضحلة في جميع أنحاء العالم، فيما اختفت الغالبية فجأة لتفسح الطريق الى حيوانات العصر الكامبري التي تتصف بالتميز، وهي ما زالت موجودة الى يومنا هذا من دون تغيير. ومن وجهة نظر البعض ان كائنات العصر الإدياكاري كانت تعبر عن "تجارب تطورية فاشلة" والتي تفوقت عليها أسلاف المخلوقات الحديثة.

ويعتبر العصر الكامبري اكثر ما يزعج الداروينيين، وقد اشار اليه داروين ضمن الصعوبات الخطيرة التي صادفت نظريته. فقد حمل انفجاراً حيوانياً ضخماً بدى انه من غير مقدمات واضحة. وأهم ما دلّ عليه هو ان السجل الاحفوري لا يتصف بالنقص، خلافاً لما كان يعتقد من قبل استناداً الى التفسير الدارويني القائم على التدرجية البطيئة. لذلك بدأت اطروحات جديدة مغايرة، وكان ابرزها نظرية التوازن المتقطع لستيفن جاي جولد ونيلز الدردج بداية سبعينات القرن الماضي، والتي اكدت على ميل الكائنات الحية نحو الثبات المتقطع. فاغلب ما تعايشه هو فترة ركود طويلة، لكنها ليست دائمة لما تنتابها من قفزات سريعة خلال فترة زمنية قصيرة تفضي الى ايجاد انواع مكتملة جديدة. وهي بهذا الاعتبار لا تتناسب مع مبدأ الانتخاب الطبيعي والتدرج البطيء كما تفترضهما الداروينية.

وإلى هذا اليوم لا توجد تقديرات صارمة لبداية العصر الكامبري والعصر الإدياكاري الذي سبقه، كما لا توجد تقديرات صارمة للمدة التي استمر بها، وكذا مدة الانفجار الذي حدث فيه، يضاف الى انه لا توجد بين العصر الكامبري وما قبله حدود فاصلة مميزة، فهي بالنسبة للكثير من العلماء متداخلة بلا حدود واضحة. وكما اشار راشيل وود Rachel Wood من جامعة ادنبرة الى ان بعض العلماء كان يدرس العصر الكامبري فيما كان يدرس البعض الاخر العصر الإدياكاري، لكن عندما اجتمعوا في مؤتمر عُقد مؤخراً في المملكة المتحدة، أدرك الكثير منهم أن تلك الحدود قد بدأت تصبح غير واضحة. فبعض سمات الحيوانات التي تحدد العصر الكامبري موجودة لدى العصر الإدياكاري، مثل الاصداف الصلبة والهياكل العظمية.

لذلك ما زالت الاجتهادات حول العصرين مفتوحة، ويكتفى بالتقديرات القابلة للتغير بين حين وآخر، كالحال الجاري في علم الفلك.

لقد سبق ان حُددت بداية العصر الكامبري منذ حوالي 600 مليون سنة، وان مدة الانفجار قدرت بحوالي (25-40) مليون سنة، لكن ستيفن جاي جولد احتمل ان مدته كانت قصيرة وتبلغ حوالي (5 او 10) مليون سنة فقط، اي ان التطور خلالها كان سريعاً للغاية، ثم ظهرت بعد ذلك تقديرات ادق، ففي اوائل تسعينات القرن الماضي أُرخت بدايته بحوالي 544 مليون سنة مضت، او حتى قبل ذلك بملايين قليلة، وان بداية الانفجار كانت حوالي 530 مليون سنة مضت، واستمرت لمدة 10 ملايين سنة. واليوم يعتقد بان الانفجار الكامبري قد حدث بالكامل قبل 518 مليون سنة.

وتُقدر الشعب في هذا العصر بما لا يقل عن 30 شعبة، والبعض يخمن وجود شعب كثيرة اخرى غير مكتشفة، وهي تمثل اكثر من (95%) من الحيوانات المعروفة. ومن ابرزها المفصليات التي سادت حتى يومنا هذا، وتتصف بانها ذات أرجل وعيون مركبة، وديدان ذات خياشيم ريشية ومفترسة سريعة يمكنها سحق الفريسة في الفكين ذات الحواف.

ومن اغرب ما تم العثور عليه حفرية لحيوان عاش في وقت مبكر لهذا العصر سمي بالهايكويلا Haikouella، وهو حيوان حبلي شبيه بالسمك، ويمتاز بمميزات تشريحية متطورة، حيث يحتوي على القلب والشريان الأبهر البطني والظهري، والشريان الأمامي الخيشومي، والحبل العصبي ذي الدماغ الكبير نسبياً، وغيرها من سمات. وهو ما يجعله عائداً الى الفقريات، ويضيف مشكلة اخرى الى الجدل الدائر حول الانتقال التطوري من اللافقريات الى الفقريات.

***

وبذلك يتبين ان هناك اربعة عصور رئيسية وتقديرية: أولها العصر الذي امتد باكثر من ثلاثة مليارات سنة، اي منذ نشأة الحياة وحتى منتصف المليار سنة الاخيرة. وتميز بانه حافل بالكائنات وحيدة الخلايا. وثانيها العصر الإدياكاري، حيث سبق العصر الكامبري بسنين قليلة، وتميز بالكائنات المتعددة الخلايا البدائية. وثالثها العصر الكامبري الذي ظهرت فيه مختلف الاصناف والشعب الحيوانية المعقدة مثل المفصليات كحيوانات ثلاثية الفصوص، والرخويات كحيوانات رأسية القدم، والتي منها ما يمتاز بالذكاء والاعين المعقدة مثل الحبار والاخطبوط. أما رابعها فما تلى هذا العصر، ويتضمن مجموعة من العصور الثانوية، ويتميز بندرة ظهور اصناف جديدة للحيوانات.

هذه اربعة عصور متميزة نسبياً، ومن خلالها ندرك بان الداروينية تواجه مشاكل ثلاث؛ تتمثل الاولى بالفجوة المتعلقة بالعصر الإدياكاري او الفندي مقارنة بما قبله خلال اكثر من ثلاثة مليارات سنة. وتتمثل الثانية بالفجوة العظمى المشار اليها عادة بالانفجار الكامبري مقارنة بالعصر الإدياكاري وما قبله. في حين تتمثل الثالثة بالسكون الذي غلب على العصور، خاصة ما بعد العصر الكامبري الى هذا اليوم، اذ لم يظهر من الاصناف والشعب الحيوانية الا القليل جداً، مع بقاء الكائنات الحية القديمة كما هي من دون تطور، بما فيها وحيدة الخلية، كالبكتيريا منذ اكثر من ثلاثة ونصف مليار سنة.

ففيما يخص المشكلة الاولى يلاحظ انه توجد فجوة كبيرة بين المتعضيات وحيدة الخلية – ومثلها المستعمرات الطحلبية - وبين ما ظهر خلال فترة العصر الإدياكاري. اذ تتصف حيوانات هذا العصر بالتعقيد الكبير مقارنة بالكائنات وحيدة الخلية التي سبقتها منذ بدء الحياة، لذا فهي فجوة قائمة لم تحل بعد..

وفيما يخص المشكلة الثانية يلاحظ ان الانفجار الكامبري تضمن حيوانات ذات اشكال مختلفة وكثيرة. فخلال مدة قصيرة جداً انبثقت اغلب الحيوانات المعقدة، وقد تعرض اغلبها للانقراض، مما يدعو لمزيد من الحيرة والتعجب. فمن جانب كيف يتم الربط بين العصر الكامبري وما قبله؟ اذ الشعب الحيوانية للعصر الذي سبقه كانت قليلة، وهي لا تفسر الكثرة الفجائية التي تضمنها. كما من جانب اخر ان اغلب هذه الحيوانات قد انقرضت وما بقي منها هو القليل جداً كما نراها اليوم من دون تطور. ويقدر ما بقي من هذه الكائنات اليوم بأقل من (1%). وان اكثر من (80%) هي من مفصليات الارجل.

لقد جادل علماء الأحياء لعقود حول ما أشعل هذا الاندفاع التطوري. والبعض يرى ان سبب هذا التحول يعود الى الارتفاع الحاد في الاوكسجين، فيما يخمن اخرون غير ذلك، لكن مازالت اسباب ذلك مجهولة تماماً.

وقد يعود هذا الانفجار الى اسباب فضائية استناداً الى نظرية الكون الحيوي، وذلك عند افتراض ان لبعض الحيوانات قابلية على الانتقال والسفر في الفضاء بسلام، ويقرّب هذا المعنى ما تتصف به بعض الحيوانات والجراثيم من مثل هذه القابلية، مع فرض اصابة ذلك العصر بزخات من النيازك الغزيرة. فعلى الافتراض الاخير يمكن تفسير تلاشي اغلب حيوانته، ونقل بعض الكائنات الحية الفضائية، بل وتعديلها عبر ما تنشره هذه النيازك من فايروسات مؤثرة، فتسبب لبعضها الامراض التي قد تؤدي الى الفناء والانقراض، كما قد تسبب لبعض اخر حالات من التطور الناجح، كما تناولنا ذلك بالتفصيل في دراسة مستقلة.

أما المشكلة الثالثة فتتحدد بندرة ظهور اصناف جديدة للحيوانات بعد العصر الكامبري. فاغلب ما شهدته الارض من حيوانات هي تلك التي كانت خلال هذا العصر ضمن فترة زمنية ضئيلة للغاية، في حين ان الفترات التي تلته والمقاربة لحوالي نصف مليار سنة لم تنتج الا القليل منها، الامر الذي لا يتناسب مع نظرية داروين، وربما مع مجمل نظريات التطور، اذ كيف يمكن تصور ان يحدث تطور هائل خلال ملايين معدودة، فيما يتوقف مئات الملايين من السنين مع بعض الاستثناءات؟ وكيف يمكن ان تحصل تحولات كبيرة قبل حصول تغيرات تدريجية بطيئة؟

***

يبقى ان الانفجار الكامبري لا يتوافق مع الصورة النمطية السائدة عن شجرة الحياة كما تفترضها نظرية داروين، اذ يصبح التصنيف الشجري في هذه الحالة مقلوباً. او كما يرى نقّاد الداروينية بان تصنيف الكائنات الحية يتصف بالهرمية، حيث تتشكل البداية من قاعدة افقية عريضة لا ترتبط فيما بينها بخاصية النشوء والتطور، ثم يتناقص افقها العرضي مع الزمن، حيث يتضاءل ظهور الرتب الحيوانية، ويصبح الحال بما يشبه الهرم، فالقاعدة في الاسفل، والرأس في الاعلى، وهو تصنيف على الضد من التصنيف الشجري للحياة. اذ لم تظهر التغيرات الكبيرة والواسعة في الطبقات العليا من الحياة، بل في اسفلها، وهذا ما تدل عليه الثورة الكامبرية، لامتلاكها اغلب الشعب والاصناف الحيوانية التي تمايزت باختلافاتها الكبيرة، ولم يظهر بعدها سوى الشيء النادر. وكل ذلك قد انعكس على تصور التصنيف العلمي للحياة، وجعله يتخذ اطاراً هرمياً، كالذي تبديه المدرسة النمطية بعيداً عن الشجرة التي تفترضها النظرية الداروينية. وهذا ما سنلقي عليه الضوء في الفقرة التالية:

النمطية ومشكلة التصنيف

لقد اظهر علم التصنيف القائم على النمطية ان الكائنات الحية تبدو على هيئة هرمية، كالذي يؤيده الانفجار الكامبري. ومعلوم ان المخطط الهرمي للتصنيف كان قبل الداروينية وبقي بعدها من دون تغيير تقريباً كالذي اشار اليه ارنست ماير. وبقيت فكرة إن كان يوجد سلف مشترك ام انماط اولية غير محسومة وفق التصنيف، اذ بقي التصنيف نفسه يستخدمه علماء الحيوان سواء كانوا تطوريين ام غير تطوريين. لكن من وجهة نظر دعاة النظرية النمطية انه لا يمكن تخيل انبثاق النمط الهرمي عن العملية التطورية، او ان الطراز الهرمي لا يسمح ببقاء أشكال سلفية او انتقالية. فالهرمية دالة على النمطية لا التطور.

وحديثاً ظهرت مدرسة شهيرة للتصنيف تدعى بالتصنيف التفرعي cladistics، وهي نهج معرفي يصنف السلالات طبقاً لاعتبارات متوازية او اخوية من دون افتراضات مسبقة حول الاصل المشترك كالذي تفترضه الداروينية وغيرها. ويقال ان بدايتها كانت في الخمسينات، كما يؤرخ لها بانها ظهرت في الستينات. وقد دافع عنها خلال الثمانينات كل من عالم العناكب الامريكي نورمان بلاتنيك وعالم الحيوان غاريث نيلسون Gareth Nelson وعالم الحفريات كولن باتيرسون وغيرهم. كذلك يعتبر رونالد برادي (المتوفى عام 2003) أول فيلسوف يدافع عن هذه المدرسة كحقل علمي مستقل.

لقد استعانت هذه المدرسة بفكرة الانماط كالتي دعا اليها اغاسيز خلال القرن التاسع عشر عوض التعويل على الاسلاف المشتركة والحلقات الوسيطة التي افترضتها الداروينية. وهي فكرة تبناها علماء متحف التاريخ الطبيعي البريطاني في جنوب كنسنغتون بلندن خلال ثمانينات القرن العشرين. فاكثر من 20 مختصاً في هذا المتحف مالوا الى النظرية النمطية، مستدلين على ذلك بما يفرضه علم الحفريات، خاصة فيما يتعلق بفكرة الاسلاف المشتركة، اذ لم يجدوا للكائنات الحية ما يعتبر سلفاً حقيقياً لها.

فمثلاً كان عالم الحفريات البريطاني في هذا المتحف كولن باتيرسون يعتقد بان الاسلاف المنقرضة تبدو غامضة بدلاً من أن تضيء العلاقات، وذلك لأنها لا توجد في الطبيعة ولكن في عقول أنصار التطور فحسب. ورأى ان التفسير الدارويني لا يخلو من بلاغة فارغة. واشار الى الفرق بين التفسير النظري والبيانات الواقعية بالتمثيل بين العربة والحصان، حيث تشير العربة الى التفسير النظري فيما يشير الحصان الى البيانات، وهو يرى وفقاً لذلك ان التفسير الدارويني يضع العربة امام الحصان، في حين انه يدعو الى تفضيل النماذج التي تحملها البيانات على النماذج المشتقة من النظريات التفسيرية. وسبق لجوزيف هنري وودجر Joseph Henry Woodger ان انتقد قبل نشأة مدرسة التصنيف التفرعي حالة افتراض السلف المشترك دون اعتبار للملاحظة العلمية، ومثّل على ذلك بوضع العربة أمام الحصان.

ولباتيرسون سؤال تشكيكي مشهور حول التطور، ففي احد خطاباته عام 1981 قال: هل يمكنك أن تخبرني أي شيء عن التطور، أي شيء واحد صحيح؟ وذلك للدلالة على عدم وجود اجابات..

لقد عرض علماء المتحف البريطاني فلماً قصيراً علقوا فيه: “ان مفهوم التطور من خلال الانتخاب الطبيعي هو بالمعنى الدقيق غير علمي”. وهو ما احدث بلبلة لدى علماء البايولوجيا.

لقد اثار التصنيف التفرعي في التزامه بالنمطية وتشكيكه في التطور الدارويني صدمة لدى البايولوجيين، وهو ما دعى مجلة الطبيعة Nature ان تشن هجوماً حاداً على المتبنين لهذا التصنيف من موظفي متحف التاريخ الطبيعي البريطاني. فقد اعتقد علماء الاحياء ان هذا التصنيف يحمل نواة للارتداد عن مجمل العملية. والبعض يطلق عليه بالتصنيف غير التطوري مثلما هو الحال مع عالمة الاحياء ويلما جورج.

comments powered by Disqus