-
ع
+

الداروينية الجديدة ومنافساتها (1)

يحيى محمد

كان معظم علماء التطور قبل داروين من دعاة النظرية الوثبية. ومنذ ظهور (اصل الانواع) عام 1859 وحتى بداية الثمانينات من القرن التاسع عشر تضاءل الاعتقاد بها لصالح نظرية داروين في التدرج والانتخاب الطبيعي. لكن بعد وفاة الاخير اصبح الاهتمام بالنظرية الوثبية عظيماً، الى جنب عدد من الاتجاهات التطورية، كاللاماركية وغيرها، كالذي فصل الحديث عنها بيتر بولر Peter Bowler في كتابه (كسوف الداروينية The Eclipse of Darwinism) خلال فترة حددها بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وتتمثل الاتجاهات المضادة للداروينية في هذه الفترة بكل من: التطور الموجه والوثبية واللاماركية المعاد احياؤها. لكن بعد منتصف القرن الماضي ظهرت نظريات اخرى، كالنظرية المحايدة نهاية الستينات، وبعدها بسنوات قليلة نشأت نظرية التوازن المتقطع. وكل هذه النظريات جاءت لتحل محل فكرة الانتخاب الطبيعي، وانكار المبالغة في تأثيره او جعله هامشياً، كما سنعرف..

التطور اللاماركي الجديد

يؤرَّخ للاماركية الجديدة New Lamarckism بانها ولدت عام 1883 وما زال بعض اثارها موجودة حتى يومنا الحالي. وقد اشتهر الكثير من اتباعها في بريطانيا واوربا. وبحسب بيتر بولر فان شعبية اللاماركية قد بلغت ذروتها في تسعينيات القرن التاسع عشر، لكن درجة نجاحها تباينت من بلد إلى آخر. فقد ظهرت المدرسة الأكثر تماسكاً في أمريكا، كما اعترف بذلك الكتّاب الفرنسيون.

والفكرة التي حملها اللاماركيون هي ان الانتخاب الطبيعي لا يفسر اصل التغايرات والتطور، وانما يلعب دوراً هامشياً في التكيفات الدقيقة. وقد ركزوا على دور الظروف البيئية في اظهار التغايرات التي تحتاج الى توجيه؛ خلافاً لداروين القائل بالتغايرات غير الموجهة، ومالوا الى الرأي القائل ان الاتجاهات التطورية التي تعمل على المدى الطويل تكون خطية، حيث تسببها ظروف بيئية ويسوقها التعود، ثم يتم توارث ما ينتجه هذا التعود، او الاستعمال وغير الاستعمال. فمثلاً ان عالم التاريخ الطبيعي باكارد، وهو من اللاماركيين الجدد، قام بتفسير فقدان الرؤية للحيوانات القاطنة في الاماكن المظلمة بسبب عدم استعمال عضو الرؤية، واعتبر ذلك اقرب الى الحقيقة من الانتخاب الطبيعي. وحقيقة ان هذا التفسير هو ايضاً ما تبناه داروين في اصل الانواع تعويلاً على نظرية لامارك.

لكن وفقاً لريتشارد دوكينز فان علم الاجنة قد قضى على مبدأ لامارك في توريث الصفات المكتسبة، تعويلاً على ان الجينات ليست طبعة (زرقاء للمخطط) بحيث انها تطابق ما سيحدث في النمو، بل هي وصفة تعليمات. ولو كانت طبعة لكان الانسان مثلاً موجوداً ككائن مجهري في البيضة المخصبة ولا يحتاج الا الى النمو والكبر. في حين توجد وصفة تعليمات جاهزة لترتيب ما سيسفر عليه الحال من اكتمال الجنين، وهناك تعليمات لتنشيط الجينات لكل بحسب وقته للعمل.. وهذا ما يتنافى مع توريث الخصائص المكتسبة لاتساقها مع نظام الطبعة وليس الوصفة التعليمية.

وعلى خلاف ذلك ظهرت محاولة تستعيد الاعتبار للآليات اللاماركية، كالذي جاء في كتاب (الوراثة اللاجينية والتطور: البعد اللاماركي) عام 1995 للباحثتين إيفا جابلونكا من جامعة تل ابيب، وماريون لامب من جامعة لندن. فقد اعتبرت الباحثتان كما في مقدمتهما للكتاب ان كلاً من الداروينية الجديدة واللاماركية الجديدة مهمة في التطور، وان الاولى ليست مكتملة اذا ما تم تجاهل الاليات اللاماركية، مثل الوراثة اللاجينية والانتقال السلوكي. وهذا يعني ان النظم الوراثية لا تقتصر على نشاط الحامض النووي الدنا (DNA) وجيناته التعليمية، كما هي الفكرة السائدة، بل يضاف اليها نظام الوراثة اللاجينية كما في البنى فوق الجينية التي تلعب دوراً هاماً في التوريث، وانها مسؤولة عن نقل الوظائف والخصائص الهيكلية للخلايا، وهي تمكن الخلايا ذات الانماط الجينية المتطابقة من اكتساب ونقل انماط ظاهرية مختلفة، ومنها الانتقال الثقافي والسلوكي بين الاجيال.

لهذا اعتبرت الباحثتان ان الوراثة اللاجينية مهمة في التطور، ويمكن ان تكون تأثيراتها غير مباشرة على الانتواع عن طريق تحفيز التغيرات الجينية، بل وقد تشكل العامل الرئيسي للانتواع، وان الاختلافات الوراثية فوق الجينية يمكن ان يكون لها اهمية في تأثير المراحل الاولى من الانتواع لدى الكائنات الحية. وقد كانت الفكرة القديمة تقول بان الحامض النووي للجينات هو الناقل الوحيد للمعلومات الوراثية، لكن بحسب الباحثتين فان هذه الفكرة غير صحيحة، لذلك اعتبرتا ان قبول مفهوم اوسع للوراثة – بتضمن نظم وراثية متعددة - سيكون له عواقب بعيدة المدى لفهمنا للعمليات التطورية.

وبلا شك يعتبر هذا الاتجاه منسجماً مع الاكتشافات المتعلقة بدور البنى فوق الجينية في النماء الجنيني، كالذي يتناوله علم الاحياء النمائي التطوري (الايفو ديفو evo-devo).

ووفق ما ذكرته الباحثتان فان علماء الاجنة ووظائف الاعضاء اعتقدوا بانه حتى لو كانت العوامل المندلية في النواة مسؤولة عن الخصائص الفردية والعرقية، فان العوامل الوراثية غير المندلية الموجودة في السايتوبلازم هي المسؤولة عن السمات التي تحدد الجنس والانواع التي ينتمي اليها الحيوان. كما اعتقدوا بان السايتوبلازم المرن الذي تنشط فيه العوامل غير المندلية يسمح بوراثة السمات المكتسبة اللاماركية. وبحسب الباحثتين انه عندما يتم النظر في النظم اللاجينية تكون البيئة اكثر من مجرد عامل انتخابي، فهي ايضاً محفز لتغيرات وراثية معينة.

وبعد عقد من الدراسة السابقة ظهر للباحثتين كتاب اخر على ذات المسار بعنوان (التطور في اربعة ابعاد) عام 2005. وفيه اعتبرتا ان التطور مدين الى اربعة عوامل اساسية، وهي الجينية واللاجينية والسلوكية والرمزية (genetic, epigenetic, behavioral, and symbolic)، ومن ثم وجّهتا نقداً للنظرية الداروينية الجديدة التي وضعت اصبعها على عامل واحد فقط هو العامل الجيني الذي يشتغل عليه الانتخاب الطبيعي. في حين توجد ثلاثة ابعاد اخرى مختلفة، هي البعد اللاجيني كما في نقل المعلومات من الخلايا الأم الى الوليدة من دون الحامض النووي الدنا، كذلك البعد السلوكي كما في المعلومات التي تنقلها العديد من الحيوانات لغيرها بالوسائل السلوكية، ايضاً الوراثة القائمة على الرمز كما في اللغة التي لها دور جوهري في تطورنا. وقد تركز محور الكتاب على الجانب الوراثي من خلال محاولة اثبات اربعة نقاط اساسية هي كالتالي:

1ـ في الوراثة ما هو اكثر من الجينات.

2ـ بعض الاختلافات الوراثية غير عشوائية في الاصل.

3ـ بعض المعلومات المكتسبة وراثية.

4ـ يمكن ان ينشأ التغير التطوري من التعليمات الداخلية الموجهة، مثلما ينشأ من الانتخاب الطبيعي.

التطور الموجّه

ومن بين النظريات المنافسة للداروينية فكرة التطور الموجّهDirected Evolution، وهي فكرة تمتزج عادة مع التطور الوثبي، كما امتزجت ايضاً مع اللاماركية فضلاً عما تتبناه النظرية الخلقوية. وهي اطروحة شائعةقبل داروين وبعده حتى بداية القرن العشرين، واشتهرت لدى علماء الاحافير وفقاً لما يدل عليه السجل الاحفوري من فجوات كبيرة، لذلك كانت موضع تأييد هؤلاء العلماء. ومن القدماء الذين ايدوا هذا النوع من التطور العالمان الحفريان الامريكيان إدوارد درينكر كوب Edward Drinker Соре، وألفيوس هيات Alpheus Hyatt، كما منهم عالم الحيوان الالماني من اللاماركيين الجدد تيودور ايمر Theodor Eimer، وقد جمع بين فكرة اللاماركية والنزعة الموجهة.

ويمتاز هذا النوع من التطور بانه يركز على اهمية النزعة الداخلية للتحول باتجاه معين، لكن من دون تشخيص من الذي يقوم بهذا التوجيه، وان ايمر نفى ان يكون الرب هو الموجه، كما انه ليس من ضرورات التكيف ولا علاقة له بالانتخاب الطبيعي والحاجات البيئية. والمثال البارز حوله ظبي الإلك الايرلندي، فقرونه تنمو نمواً مفرطاً بحيث تبدو كأنها حكمت على النوع بالانقراض الحتمي.

حتى ان صديق داروين توماس هنري هكسلي كان يرى التغيير الذي يحصل في الكائن الحي مهما كان دقيقاً وعرضياً من حيث الظاهر فلا يمكن تصوره إلا كتعبير عن وجود قوى مقيمة داخل الكائن الحي تعمل وفق قوانين محددة، لذلك اعتبر ان الحوت «لا يميل إلى توليد الريش، ولا الطائر يتجه الى تكوين عظمة الحوت».

وهو الحال الذي ايده مايكل دنتون واستدل عليه بالسجل الاحفوري الذي وثّق نزعات طويلة الامد وحيدة الاتجاه لا يبدو ان لها اي استخدام تكيفي مباشر للانواع المتعاقبة.

كما ظهرت على هذا الصعيد اقتراحات وتجارب عديدة حاولت اثبات التطور الموجه من خلال الطفرات التكيفية الموجهة.

فمن الناحية التاريخية سبق لعالم الأسماك الروسي ليف بيرجLev Berg ان اقترح بداية القرن العشرين وجود طفرات جماعية موجهة باعتبارها الآلية الرئيسية للتطور، كما في كتابه (التطور المنظم بالقانون Nomogenesis) عام 1922. وقد جمع فيه قدراً كبيراً من البيانات التجريبية التي قدمت نقداً قوياً لنظرية داروين.

كما أجرى علماء الوراثة الألمان دراسات مبكرة عن «الطفرة الموجهة». وادعى عالم الوراثة الالماني ريتشارد جولدشميت GoldschmidtRichard أنه قدم دليلاً على حدوث طفرة موجهة عام 1929، كما في تجاربه على ذبابة الفاكهة المعرضة لدرجات حرارة مرتفعة. وفي الثلاثينات أجرى فيكتور جولوس Viktor Jollos تجارب على ذبابة الفاكهة وكتب أن نتائجه أكدت عمل جولدشميت في وجود دليل على حدوث طفرة موجهة على عكس الانتخاب الطبيعي.

لكن بقيت هذه التجارب والاقتراحات غير مفضلة مقارنة بالعمل وفق الية الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي، واستمر الحال حتى ثمانينات القرن العشرين، وحينها تمكّن الباحث جون كيرنز John Cairns لاول مرة عام 1988 من العثور على طفرة موجهة لدى البكتيريا الاشريكية القولونية عند تعريضها الى ظروف بيئية صعبة، اذ وضعها في وسط غني بسكر اللاكتوز لا يمكنها معالجته، فوجد ان حوالي 20% منها تحورت للاستجابة للتكيف مع البيئة الجديدة، حيث قامت بتغيير تسلسل جينومها وتشفيره بشكل مختلف وملائم للاستفادة من الوسط الجديد المحمل باللاكتوز المركز. وعند اعادتها الى وسط اخر يحتوي على ادنى مستويات اللاكتوز استمر انتاج الطفرات التكيفية ليلائم هذا الوسط. وبينت هذه التجارب وجود طفرات كثيرة للاستجابة للوسط الجديد بما يصعب ان يفسرها افتراض الانتخاب الطبيعي، فهي اكثر مما يمكن ان يحدث صدفة وعشوائية.

وقد فسرت هذه التجارب بانها جاءت استجابة لتلف الحامض النووي الدنا (DNA) ؛ فكان لا بد من اصلاحه، وهو ما حدث بفعل الطفرات الكثيرة. لذلك اعتبر هذا التحول المفرط لا يفسر الا بفعل عمليات تنظيمية داخلية في الجينوم. والشيء المثير ان هذه التجارب كانت صادمة وموضع جدل كبير بين علماء الاحياء.

لقد تعاظم تأثير التطور الموجه منذ ثمانينات القرن العشرين فصاعداً، خاصة بعد الاكتشافات المتواصلة الخاصة بالجزيئات الخلوية العملاقة منذ بداية النصف الثاني لهذا القرن، حيث بدأت مشاكل جديدة جعلت الداروينية تصاب بالضعف، وبدأ الاعتراض عليها خلال الستينات من قبل علماء يعودون الى تخصصات مختلفة، كما يظهر حال ذلك في مؤتمر ويستار المنعقد عام 1966، والذي تأثر به جملة من العلماء، لا سيما انصار التصميم الذكي. ومن ثم اصبح التطور الموجه يمثل التهديد الاعظم للنظرية الداروينية دون بقية انواع مذاهب التطور.

وحديثاً قدّم دنتون بعض الادلة على هذا النوع من التطور بما يؤيد البنيوية القائمة على  تأثير الاسباب الداخلية على التحول، فافترض وجود نزعات داخلية طويلة الامد، على مدى ملايين او مئات الملايين من السنين احياناً، وهي تظهر على شكل تغير مستمر وحيد الاتجاه لدى جميع افراد سلالات معينة. لذلك اعتبر انه لا يمكن تفسير هذا التغير الثابت ووحيد الاتجاه بمفاهيم داروينية، حيث بحسبها تتشكل الكائنات الحية بفعل الانتخاب التراكمي لتلبية الانتفاع اليومي المباشر فقط. ومن اجل تفسير هذه النزعات من ناحية داروينية فيجب التسليم بافتراض غير معقول بوجود محددات اصطفائية ثابتة عملت على جميع افراد السلالة المتعاقبين والمختلفين على مدى ملايين السنين ضمن بيئات مختلفة.

التطور الوثبي

عادة ما يلحق التطور الموجه بالنظرية الوثبية Saltation Theory التي استعادت قوتها خلال التسعينات من القرن التاسع عشر وحتى نهاية ثلاثينات القرن العشرين، خاصة بعد ان تم اكتشاف الوراثة المندلية. فقد اعتبر دعاتها ان هذه الوراثة تنسجم مع النظرية الوثبية دون الانتخاب الطبيعي والتطور التدريجي. وسبق لداروين ان تعرض الى فكرة التطور الوثبي واعتبرها لا تختلف كثيراً عن فكرة الخلق المستقل لافتقارها الى التفسير العلمي، رغم اعترافه بان القول بها يعطي فائدة قليلة. وكان من ابرز القائلين بهذه الفكرة، ممن عاصروا داروين ووجهوا الى نظريته اعتراضات قوية وكثيرة، القديس جورج ميفارت George Mevart.

لقد اعتقد ميفارت ان ظهور الانواع الجديدة يحصل بطريقة تحورات مفاجئة تأتي على الفور، مثل ظهور جناح اي طائر بشكل فجائي، ومثل ان الهيباريون - وهو حيوان منقرض له ثلاثة اصابع في القدم - قد تطور الى الحصان فجأة. ويأتي هذا التغير الفجائي بفعل قوة داخلية مجهولة لدى الكائن الحي. وكان بعض علماء التاريخ الطبيعي يوافقون ميفارت على ذلك. علماً بان الاخير لا ينكر تأثير الانتخاب الطبيعي على الكائنات الحية، لكنه لا يعتبره كافياً لتفسير ظهور الانواع الجديدة.

وكانت الحجة التي التزم بها ميفارت وكوفييه وغيرهما من علماء النظرية الوثبية هي ان التغير القفزي الحاصل في عضو محدد من اعضاء الكائن الحي يتناسق مع تغيرات بقية الاعضاء، ولولا هذا التناسق فسيفضي الامر الى هلاك الكائن الحي او تشويهه. لذلك يستحيل التدرج في التعديلات لدى اي عضو من اعضاء الكائن الحي، فلا يمكن ان نحصل مثلاً على نصف جناح او نصف فك او غير ذلك من التعديلات المشوهة، بل لا بد من التغيرات القفزية التامة للعضو مع التناسق مع التغيرات الاخرى التي تحدث لدى بقية الاعضاء، وهو ما يتناسب مع افتراض وجود قوة داخلية تعمل على التعديل والتطور.

في حين ذهب داروين الى خطأ توريط اي قوة داخلية في العملية التطورية اكثر من القابلية العادية على التمايز. كما اعتبر رأي ميفارت في التطور الفجائي يقتضي فجوات كبيرة وانقطاع في التسلسل، لذلك اعتبره ضعيف الاحتمال جداً، رغم اعترافه ببعض التحويرات الشاذة، مثل ولادة ستة اصابع ليد الانسان، ومثل بعض الاعراق المدجنة التي يتدخل في تكوينها الانسان.

***

تلك كانت باختصار نظرية ميفارت وغيره من علماء النظرية الوثبية، وقد اعيد بناؤها من جديد بعد وفاة داروين عبر ربطها بالتفسير القائم على الوراثة المندلية. واستمر الاعتقاد بها حتى اربعينات القرن العشرين، وضمت اسماء معروفة عديدة ممن استندوا الى قوانين مندل في الوراثة.

ومن هؤلاء عالم النبات الهولندي هوجو دي فريس Hugo de Vries الذي كتب في مطلع القرن العشرين كتاباً بمجلدين بالالمانية حول دور الطفرات في العملية التطورية، وسماه (نظرية الطفرة The Mutation Theory) 1901-1903، وظهرت نسخته الانجليزية عام 1909، حيث استخدم كلمة الطفرة الشائع استخدامها قديماً لوصف التغيرات الرئيسية المفاجئة، واعتبرها بديلة عن التطور الدارويني. وفي كتابه اشار الى ان هذه الكلمة قد استخدمت في علم الحفريات اكثر من اي علم اخر للتعبير عن الاختلافات بين الأنواع المتقاربة.

ومعلوم ان دي فريس صادف ان تعرف من خلال احد زملائه على كتاب مندل في طبعته المعادة عام 1865، وكان مندل قد نشر ورقته بعنوان لا يسترعي الانتباه، وهو: (تجارب في تهجين النبات)، وكان راهباً وليس بعالم معروف، لذلك لم يلتفت احد الى ورقته لاكثر من ثلاثة عقود، ومن ثم اعيد اكتشافه من قبل ثلاثة علماء نبات بشكل مستقل، وهم بالاضافة الى دي فريس كل من كارل كورينسKarl Korens  وأريك تشيرماك فون سيسنج Erik Chermack von Sessing. ومما يذكر بهذا الصدد ان كارل كورينس اتهم دي فريس عام 1900 «بالاستيلاء على مصطلحات من ورقة مندل دون نسب الفضل له او الاعتراف باسبقيته».. لكن دي فريس نشر ورقة لاحقة معترفاً بفضل مندل «وبأن عمله هو فقط امتداد لاعمال مندل السابقة».

وفي كتابه المشار اليه انتقد دي فريس نظرية داروين وآليته الانتخابية، واستشهد بعدد من العلماء الذين عارضوا هذه النظرية، وكان منهم عالم الحفريات الامريكي إدوارد درينكر كوب Edward Drinker Соре الذي اعتبره اول من صاغ بوضوح اعتراضات ضد عقيدة الانتخاب الطبيعي، ونقل عنه قوله بان هذا الانتخاب يُبقي الخير ويقضي على الشر، لكن من دون جواب عن كيف ينشأ الخير؟.

اي ان الانتخاب الطبيعي قد يفسر بقاء الاصلح، لكنه لا يفسر نشوءه اصلاً. وقد بقيت هذه المعضلة تواجه الداروينية حتى يومنا هذا. لذلك قيل انه لا شيء يتطور الا اذا كان موجوداً سلفاً، لا انه يأتي بشيء جديد.

ويمكن التمثيل على ذلك بمن يذهب الى الاسواق دائماً ليقتني فقط الاشياء الاكثر صلاحاً مع ترك غيرها مما تعتبر عاطلة او ناقصة. وفي هذه الحالة ان الاسواق تحتوي على البضائع القديمة والجديدة ومنها الصالحة والعاطلة والناقصة، وان المحبذ هو البضائع الصالحة دون العاطلة والناقصة.  مع هذا لا يعلم مصدر هذه البضائع سواء كانت قديمة او حديثة او صالحة او عاطلة او ناقصة.

كذلك ذهب عالم الحيوان البريطاني وليام باتسون William Bateson الى تأييد فكرة التطور الوثبي مع الالتزام بقوانين مندل في الوراثة، وهو الذي استخدم مصطلح الجينات او الوراثيات لاول مرة عام 1906. وقيل ان هذا المصطلح قد اخترعه البايولوجي الدنماركي وليام جوهانسن Wilhelm Johannsen عام 1909.

فقد حاجج باتسون بانه لما كانت الانواع تنقطع بعضها عن بعض فان التغايرات التي تنتج عنها الانواع قد تكون متقطعة هي الاخرى، وبالتالي فالانتخاب الطبيعي ليس ضرورياً طالما يحدث التغير في قفزات كبيرة مفاجئة قد تؤدي احياناً الى انواع جديدة. وكان باتسون يبدي تعجبه كيف انه تم قبول نظرية الانتخاب الطبيعي والمهارة الجدلية التي جعلت مثل هذا الفرض يبدو مقبولاً.

وذهب الى هذا النحو مؤسس النظرية الكروموسومية للوراثة توماس هانت مورغان Thomas Hunt Morgan، وكان يرى ان الجينات مندمجة في الكروموسومات مثل حبات اللآلي في العقد، وذلك قبل ان يتبين ان الجينات ليست على هيئة حبات العقد في خيط الكروموسوم، وانما متضمنة في لولب مزدوج كثير الالتفاف حول نفسه، يدعى جزيء الحامض النووي الدنا الدنا (DNA).

وفي عام 1915 أيد عالم الوراثة ريجينالد بونيت Reginald Bonet النظرية الوثبية كما في كتابه (التقليد في الفراشاتImitation in Butterflies).

 

comments powered by Disqus