-
ع
+

الدين والاخلاق

يحيى محمد

بداية نتساءل: ما طبيعة العلاقة التي تشدّ الدين إلى الأخلاق، والأخلاق إلى الدين؟ فمن المعلوم أنّ ثمة صلة وثيقة بين الدائرتين، إذ يزخر الدين بالقضايا الأخلاقية كما يقدّمها النص المقدّس، بل إنّنا نذهب إلى أنّ جوهر الدين نفسه قائم على القيم الأخلاقية قبل أي شيء آخر، لا أنّ الأخلاق فرع عليه. فالإيمان بالله مطلوب وواجب بدافع أخلاقي، كما أنّ تحريم الشرك واعتباره منكراً إنّما يستند إلى العلّة ذاتها. وكذلك تُبنى التكاليف والعبادات على اعتبارات الحقوق في العلاقة بين الخالق والمخلوق، بحيث تتشح التشريعات الدينية بلباس معياري يحدّد ما ينبغي أن يكون، لا مجرد أخبار عمّا هو كائن.

ويمتدّ هذا الطابع الأخلاقي ليشمل شتّى المسائل الدينية الأخرى، بما فيها تلك الوجودية أو الإخبارية، وهو ما يفسّر توظيفها في علمي الكلام والفقه، وهما علمان دينيان يتناولان بالنظر والتحليل كلّ ما يتصل بالنصّ المقدّس. ومن هنا تتبدّى العلاقة العميقة بينهما وبين منظومة القيم الأخلاقية، سواء على مستوى التأصيل أو على مستوى الإطار المعياري الذي تُسند إليه مهمّة البيان والتشريع.

إنّ للأخلاق خصوصيّة تميّزها عن الطبيعة الوصفيّة أو الإخباريّة؛ فهي تتعلّق بما ينبغي أن يكون لا بما هو كائن كما هو الحال في القضايا الوصفيّة. ومن هذه الجهة تشترك الأخلاق مع المطالب الدينيّة؛ إذ إنّ أغلب ما يرتكز عليه الدين يقوم على الأساس المعياري نفسه الذي تستند إليه القيم الأخلاقيّة. فالدين، وإنْ تناول قضايا إخباريّة وجوديّة، إلا أنّ غايته ليست مجرّد الوصف والتقرير، بل توجيه الإنسان نحو الطاعة والخضوع، أي نحو ما ينبغي أن يكون. وبذلك فإنّ جوهر الدين لا يتعدّى هذا البعد المعياري.

ومع ذلك يظلّ السؤال مطروحاً: ما الفرق بين الأخلاق والدين ما دام كلاهما يعالج مجال "الواجب" و"الحقوق" المعياريّة؟ هل هما وجهان لعملة واحدة؟ أم أنّ أحدهما متأسّس على الآخر؟ أم لكلّ منهما كيان مستقل رغم الاشتراك في الموضوعات والمواقف؟ أو لعلّهما، على الرغم من طبيعتهما المعياريّة، يقفان في بعض المواضع متعارضين؟

فثمة تداخل وثيق بين الدين والأخلاق، بل وبينهما وبين العلم أيضاً، رغم سعة الاختلاف بين هذه الدوائر. فالأخلاق ذات طبيعة معيارية لأنها ترتكز على مبدأ ما ينبغي أن يكون، بخلاف الصفة الإخبارية التي تُعنى بما هو كائن كما يتميز به العلم الطبيعي. ومن هذه الزاوية، لا تفترق الأخلاق عن أغلب المطالب الدينية.

وبذلك فنحن هنا أمام ثلاثة كيانات كبرى تشترك فيما بينها ضمن مساحات قد تتّسع وقد تضيق: الدين والعلم والأخلاق. ولكلّ واحد من هذه الكيانات جوهره الخاص الذي يمنحه هويّة مستقلّة، ولولاه لاندمج بغيره وفقد حدوده الفاصلة. فبين الدين والعلم مشتركات موضوعيّة عديدة؛ فكلاهما يتناول قضايا وجوديّة مشتركة، والأمر ذاته ينطبق على العلاقة بين الدين والأخلاق. وعلى الرغم من أنّ الارتباط الحقيقي بين الدين والعلم يرجع في الأصل إلى العلاقة بين العلم و"الفهم الديني" أكثر من رجوعه إلى الدين في ذاته؛ إلا أنّ هذا لا ينفي وجود صلة بين العلم والدين بوصف الدين نصّاً يتضمّن معرفة وإشارات إلى موضوعات موضوعيّة يدرسها العلم كذلك؛ كخلق السماوات والأرض، ونشأة الإنسان، وتطوّر الجنين، وغيرها.

غير أنّ الفارق الجوهري الذي يفصل الدين عن العلم يتمثّل في أنّ الدين يتّسم بطابع أخلاقي معياري، بينما يحافظ العلم على طبيعته الوصفيّة التي تُعنى بما هو موجود فحسب دون أن تُلقي على موضوعاتها ظلال "الواجب" و"اللزوم" و"القيمة".

فإذا كان الدين يشترك مع الأخلاق في دائرة الواجب و«الينبغيات»، فإنه يشترك مع العلم في دائرة الوقائع والكائنات، وبهذا يتوسّط بين المجالين معاً، إذ يجمع في ذاته بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. ومع ذلك يظلّ العلم قابلاً للتوجيه الأخلاقي، كما تبقى الأخلاق قابلة للبحث العلمي، سواء في أصولها النظرية أو في أنماط ممارستها الواقعية.

بل إنّ العلم المتحقّق تاريخياً لم يكن يوماً كياناً محايداً خالصاً أو نشاطاً معرفياً منزّهاً عن القيم الأخلاقية، بل كان ـ ولا يزال ـ مشروطاً بإطار فلسفيّ سابق يوجّه رؤيته للعالم ويحدّد أفق تفسيره للوجود. ومن أبرز هذه الأطر المهيمنة ما يُعرف بمعيار "الطبيعانية Naturalism"، بوصفها افتراضاً فلسفياً ناظماً ومنحازاً للفهم العلمي للكون والحياة، لا مجرّد نتيجة علمية محايدة. فهذه الطبيعانية لا تكتفي بتنظيم أدوات البحث، بل تمارس دوراً إقصائياً يستبعد ـ مبدئياً ـ كلّ تفسير لا ينسجم مع مقولاتها، مهما بلغت قوة شواهده أو تماسك قرائنه الواقعية. وبذلك يغدو "اللاطبيعاني" مرفوضاً سلفاً، لا لأنه غير علمي بالضرورة، بل لأنه يتعارض مع الإطار الفلسفي الحاكم للمعرفة العلمية.

فرغم ما تمتاز به العلوم الطبيعية من طابع موضوعي صارم، ومن آليات رقابة ذاتية تحدّ – في الغالب – من تسلل الانحياز، إلا أنّ الواقع لا يخلو من تشكلات خطيرة لهذا الانحياز، بل قد يتحوّل في بعض الحالات إلى منهج معلن موجّه للبحث العلمي ذاته. فليس كل انحياز وليد نزوة شخصية أو قصور أخلاقي، بل قد يكون نتاج بنية نظرية متجذّرة تفرض نفسها بوصفها الإطار التفسيري الوحيد المشروع، وتُقصي ما سواها تحت شعار "العلمية" و"الصرامة المنهجية".

ومن أوضح الشواهد على هذا النمط من الانحياز المنهجي ما نجده في بعض تمثّلات النظرية الداروينية، حيث تجاوزت ـ في عدد من الأوساط العلمية ـ كونها فرضية تفسيرية قابلة للنقد والمراجعة، لتغدو أشبه بعقيدة علمية مغلقة. وقد أدى ذلك إلى حصر تفسير الظواهر البيولوجية ضمن أفق واحد، حتى في المواضع التي تتكشّف فيها فجوات تفسيرية أو اختلالات بنيوية فاضحة. وهو ما يصطدم مع دعوى الحياد والتجرّد.

ومعلوم أنّ النظرة الشائعة تعتبر العلم خالياً من القيم، باستثناء ما يُسمّى بالقيم المعرفية المتمثّلة في ثلاث: التجرّد والحياد والاستقلالية. وقد تبلورت هذه القيم تحت تأثير الأفكار التي سادت منذ القرن السابع عشر، ولا سيما تلك التي قدّمها كلّ من فرانسيس بيكون وغاليليو، حيث الدعوة إلى الإصغاء لصوت الطبيعة بعيداً عن أوهام العقل وتحيّزات النفس وأمانيهما[1].

غير أنّ هذه القيم المعرفية نفسها تقوم، في أساسها العميق، على جملة من المبادئ الأخلاقية، من قبيل الأمانة والنزاهة والصدق والإخلاص للحقيقة. وهي مبادئ تتولّى توجيه تلك القيم المعرفية الثلاث وضبطها، وتعمل على تحصين الممارسة العلمية من آفات الغشّ والتزوير والتلاعب، بما يحفظ للعلم نزاهته ومصداقيته. ومع ذلك، فإنّ هذه القيم المعرفية كثيراً ما تظلّ مشروطة بإطار فلسفيّ سابق يجعلها - عملياً - غير نافذة على الدوام، خلافاً لما يتغنّى به الخطاب العلمي ذاته. هذا فضلاً عن التوجيهات الشخصية والاجتماعية والمؤسسية التي تطال الحقل العلمي، وتشارك في رسم سياساته وخياراته وانحيازاته، كما تتشكّل داخل الجماعة العلمية وتحت ضغط شروطها الثقافية والتاريخية، على نحو لا ينسجم مع دعوى استقلالية العلم بوصفها قيمة معرفية ثالثة.

***

إنّ العلم هو معرفة موضوعية بالطبيعة، كما أنّ النصّ الديني يحمل بدوره معرفة قابلة للفهم والتأويل. وهو ـ من هذه الناحية ـ يتضمن مستويين متمايزين: أحدهما يمثّل موضوعاً للفهم، شأنه في ذلك شأن الطبيعة؛ أمّا الآخر فيجعل منه منتِجاً للمعرفة على غرار العلم نفسه. فالنصّ من جانب يقابل الطبيعة بوصفه موضوعاً يُفهم، ومن جانب آخر يقابل العلم من حيث إنه مصدر لإنتاج المعرفة. وعلى هذا الأساس يكون لكلّ من العلم والفهم موضوعه الخاص: فالطبيعة ميدان الأول، فيما يشكّل النصّ ميدان الثاني.

ومثلما أنّ العلم ضرب من المعرفة، وأنّ النصّ الديني يختزن هذه المعرفة عبر لغته، فإنّ القيم الأخلاقية تحتضن بدورها قضايا معرفية تتعلّق بجوهرها وفلسفتها. وإذا كان مصدر معرفة الدين هو الوحي المتجسّد في نصّ لغوي محدّد، وكان مصدر معرفة العلم هو الطبيعة وخطابها التجريبي، فإنّ مصدر معرفة القيم الأخلاقية هو الوجدان العقلي؛ أي ذلك الإدراك الباطني الذي ينبثق من صميم العقل دون حاجة إلى مرجع خارجي يستمدّ منه سلطته. ومن هنا كان البحث في هذه القيم راجعاً بطبيعته إلى الفلسفة ومباحثها.

وعلى الرغم من كثرة المدارس والنظريات التي تعالج مصدر هذه القيم وطبيعتها، إلا أنّ من الواضح أنّ العقل البشري يكاد يجتمع على أصول ثابتة لا يستسيغ انتهاكها أو تحويلها، فهي ظاهرة للعيان، وتشكّل أساس العلاقة الإنسانية وأول شروطها. ولذا يمكن عدُّها من أسمى المشتركات التي مُنحت للبشر، ومن أوضح المعايير التي تكشف طبيعة الإنسان في أصفى مستوياتها.

إنّ المصدر العقلي للقيم الأخلاقية يجعلها واضحة لا تقبل التشكيك، وهي من هذه الناحية لا تختلف عن كثير من القضايا التي يكون العقل نفسه مصدرها، وإن اختلفت طبيعتها من حيث اتصافها بالضرورة أو عدمه. وتُعدّ القيم الأخلاقية من القضايا المتصفة بالضرورة، على الرغم من تعدد أنماط الضرورة وتميّزها، كما فصلنا ذلك في كتاب (النظام المعياري)[2]. وحيث إنها قضايا ضرورية، فإن ذلك يقتضي أن تكون ذات منشأ عقلي، فهي تُدرَك عبر بواعث الوجدان العقلي وأحكامه الأولية.

ومن هذه الجهة تُطرح القيم الأخلاقية في قبال الفهم والدين معاً، إذ لكليهما علاقة مباشرة باتخاذ مواقف تتصل بهذه القيم، سلباً أو إيجاباً أو حياداً. أمّا العلم، فيُفترض أن يكون طابعه الإجرائي في الأصل محايداً، فهو ـ كما تقدّم ـ لا يشترك مع الأخلاق في موضوع واحد ولا ينتج أحكاماً قيمية، غير أنّ هذا الحياد لا يعني استقلاله التام عن المجال الأخلاقي، إذ يقوم العلم، في بنيته العميقة، على جملة من المبادئ الأخلاقية الحدسية الثابتة، كقيمة الصدق، والأمانة العلمية، والثقة المعرفية، واحترام الدليل. فضلاً عن ذلك، يظلّ العلم قابلاً للتوجيه الأخلاقي، سواء على مستوى مناهجه وإجراءاته، أو على مستوى توظيف نتائجه وتطبيقاته، سلباً أو إيجاباً، تبعاً لما تقتضيه الممارسة الإنسانية.

لذلك فإن جميع الأفكار التي ترى توازياً ملحوظاً بين العلم والأخلاق تُعدّ مجانبة للصواب، ومن هذا القبيل ما صرّح به فيلسوف العلم الفرنسي هنري بوانكاريه بقوله: «لكل من علم الأخلاق والعلم مجاله الخاص الذي يتماس دون أن ينفذ في الآخر. الأول يُرينا الغايات التي ينبغي أن نتطلع إليها، في حين يعلّمنا الثاني سبل تحقيق الأهداف حال تحديدها. ولأنهما لا يلتقيان إطلاقاً فإنهما لا يتعارضان البتة. ليس هناك علم لا أخلاقي إلا بقدر ما هناك من أخلاقيات علمية»[3].

فكما تبيّن لنا أن العلم بكافة حقوله قائم – من حيث الأساس - على الأخلاق الحدسية دون ان يتعداها، أما ما يُسمى بحيادية العلم فمردّ ذلك عائد إلى النهج الإجرائي الذي يتوسله العلم دون الأساس الذي يقوم عليه.

ومن هذه الزاوية، لا يمكن للعلم أن يكون أساساً للأخلاق الحدسية نفسها، إذ إنّه مشروط بها ولاحق عنها من حيث الاعتبار. وكلّ ما يمكن للعلم أن ينجزه، في أحسن الأحوال، هو الإسهام في توفير الوسائل الكفيلة بتحقيق الغايات التي ترمي إليها هذه الأخلاق، ولا سيّما ما يتصل منها بمجال الأخلاق الكسْبية أو الموضوعية غير الحدسية.

وهنا يتبيّن موضع الخلط الذي يراهن عليه بعض الاتجاهات المعاصرة حين يفترض إمكان أن يكون العلم ذاته أساساً للأخلاق، فهو يخلط بين مستوى التأسيس القيمي ومستوى التفعيل الأداتي. ويزداد هذا الخلط وضوحاً إذا أخذنا بعين الاعتبار تعدّد المدارس التي سعت إلى تحديد ما يُسمّى بالأساس العلمي للأخلاق، كالمسلك القائم على "هرمون السعادة" في تقويم الفعل الأخلاقي، والمسلك النفعي النسبي كما تبنّاه كلّ من الفيلسوفين الإنجليزيين جيرمي بنثام وجون ستيوارت مِل، فضلاً عن المسلك الطبيعي الذي يستند إلى النظرية الداروينية في التطور، وما ترتّب عليها من محاولات ردّ القيم إلى آليات البقاء والانتخاب[4].

ومن ذلك طرح السؤال القائل: هل يمكن إنشاء مجتمع صالح اعتماداً على العلم ذاته؟ وهل يستطيع العلم، بما هو جهاز تفسيريّ وصفيّ، أن يعلّمنا شيئاً عن ماهية الأخلاق؟[5].

ففحوى الإجابة عن هذا السؤال تعيدنا إلى بحث الارتباط القائم بين الأخلاق الحدسية والأخلاق الكسبية التي تتكشّف من خلالها الوسائل التي يتوسّلها كلّ من العلم والدين في توجيه الفعل الإنساني وتقويمه. فالمسألة، في جوهرها، لا تتعلّق بتأسيس الأخلاق على العلم، بقدر ما تتعلّق بكيفية انتظام الأدوات المعرفية في ضوء مرجعية قيمية سابقة عليها.

بل الأجدر هو قلب السؤال السابق رأساً على عقب، ليُصاغ على النحو الآتي: هل يمكن للأخلاق الحدسية أن تُعلّمنا كيف ينبغي أن يتأسّس عليها العلم الصحيح؟ وكذلك هو الحال مع الدين في علاقته الوثيقة بالأخلاق الحدسية، إذ لا تقوم له قائمة ما لم يُبنَ على جملة من المبادئ الأخلاقية الأولية، كالصدق والأمانة والعدل وسواها من القيم المؤسِسة.

بل إنّ المعارف التبليغية الكاشفة جميعها تُصاب بالانهيار متى ما افتقدت معيار "الصدق"، بوصفه شرطاً قبلياً لإمكانها، لا مجرّد قيمة لاحقة عليها. فالمعرفة، بهذا الاعتبار، تتوقّف في قيامها وفاعليتها على القيم الأخلاقية، تماماً كما أنّ هذه القيم نفسها تتوقّف على المعرفة، ولكن باعتبار آخر مغاير.

مصدر الإلزام الأخلاقي في التراث الإسلامي

لقد اتخذ كلّ من الدين ومنهج فهمه مواقف صريحة تتعلق بأساسيات القيم الأخلاقية المشتركة. ونشهد في حقل الفهم الديني انقساماً واضحاً إزاء صدقية هذه القيم ومصدرها، تبعاً لتعدد منظومات الفهم واختلاف مرجعياتها، وفي مقدمتها منظومات تراثنا الإسلامي. فقد تبنّت هذه المنظومات أطروحات متباينة بشأن القيمة الأخلاقية ومصدر إلزامها، وبلغ الاختلاف بينها أحياناً حدَّ التناقض والمفارقة؛ كما عرضنا شيئاً من ذلك في بعض حلقات مشروع (المنهج في فهم الإسلام).

وخلاصة ما عرضناه، أنّه إذا أبعدنا وجهة النظر التي تُرجِع القيم الأخلاقية إلى المجاز الخالص، وترى أنّ حقيقة ما يجري في الوجود محكومة بحتمية صارمة لا مجال فيها للقدرة والحرية والاختيار ـ كما هو موقف المنظومتين الفلسفية والعرفانية ـ أمكن حينها تصنيف الخلاف داخل تراثنا الإسلامي إلى ثلاث دوائر معرفية رئيسة: عقلية وبيانية.

ففي علم الكلام نجد اتجاهاً يرى أنّ القيم الأخلاقية وإن كانت إدراكات عقلية، إلا أنها غير مستقلة بذاتها، بل تتوقف على شرط جوهري يتمثل في "الملكية". فالملكية هي التي تُحدِّد صفة الحقوق، وبمقتضاها يكون المالك المتفرد والمطلق مالكاً لتمام الحق الأخلاقي، أي بنسبة (100%)، ولا يبقى للآخر ـ المملوك ـ أي قدر من الحق، بل يكون نصيبه صفراً محضاً. وهذا هو الرأي الأشعري كما فصّلنا الحديث عنه في كتاب (النظام المعياري) ضمن ما سميناه: منطق "حقّ الملكية".

وفي المقابل، يخالف عدد من المذاهب الكلامية هذا الاتجاه، إذ ترى أنّ القيم الأخلاقية عقلية ومستقلة من غير شروط، وأنّ للحقوق صفة ذاتية غير طارئة، وهو ما تبنّاه المعتزلة والزيدية وأصوليو الإمامية الاثني عشرية، وسمّيناه: منطق "الحقّ الذاتي".

وفي مقابل هذين الاتجاهين، يميل أغلب البيانيين إلى أنّ المحدِّد للقيم الأخلاقية هو النص الديني لا العقل. وبهذا يلتقي معظم أصحاب النزعة البيانية مع الأشاعرة في النتيجة النهائية التي تجعل معيار القيمة رهناً بالنص، وإن كان الأشاعرة قد أسّسوا دعواهم هذه على مبررات عقلية، بخلاف البيانيين الذين جعلوا النص هو المرجع الحاكم أساساً.

وللمنظومة الفقهية رأي يكاد يكون موحَّداً لدى جميع المذاهب، فهي تعتبر أنّ النص هو المحدِّد الأوّل للقيم الأخلاقية، لا العقل. فحتى في المذهب الذي يَعُدّ العقل أحد مصادر التشريع، لا يمنحه الثقة الكافية ولا يتيح له مساحة فعلية للتشريع، بل يقدّم عليه الظنون المعتبرة المستفادة من نصوص الرواية والحديث. ويُعزى ذلك ـ في نظرهم ـ إلى وجود مصالح خفيّة أو حكم إلهية دقيقة تجعل الذهن البشري عاجزاً عن إدراك سبب مخالفة الحكم الشرعي لما تقضي به القيم العقلية، كما سيأتي تفصيله لاحقاً.

والحال ذاته نجده لدى أصحاب نظرية المقاصد، فهم رغم حديثهم عن الغايات والمصالح؛ لا يُولون للعقل العملي قيمة معتبرة بالمقارنة مع النص الديني. ومن المعلوم أنّ هذه النظرية نشأت في البيئة الأشعرية، وأنّ موقف الأشاعرة من العقل العملي كان ـ في جوهره ـ موقفاً سلبياً صارماً.

الدين والأخلاق: الأصل والعلاقة

لقد تبيّن لنا بالإجمال موقف الفهم الديني من القيم الأخلاقية، وهو ـ كما اتّضح ـ موقف متعدّد المشارب والاتجاهات. أمّا عن طبيعة العلاقة بين هذه القيم والدين، فالملاحظ ـ كما سبقت الإشارة ـ أنّ لكلّ منهما أصلاً متميّزاً، فالأصل الديني قائم على النص اللغوي المقدّس، إذ لولاه لما أمكن التعرف إلى أيّ قضية دينية. في حين تعود القيم الأخلاقية إلى ضرورات العقل المجرّد وإدراكاته الوجدانية الثابتة.

ولدى الدين مواقف كثيرة تتوافق مع القيم الأخلاقية وتؤكّدها. كما نجد فيه مواقف حيادية لا تمسّ هذه القيم مباشرة. لكن السؤال المطروح: هل يتضمّن الدين ما يعارض القيم الأخلاقية أو يناقضها؟

مبدئياً يمكن تصنيف تعامل الدين مع القيم إلى مستويين:

أحدهما متعلّق بالمبادئ الأخلاقية العامة، والآخر يختصّ بالقضايا التطبيقية الجزئية. وهذه الأخيرة لها علاقة بالقيم الأخلاقية تارة بصورة مباشرة، وأخرى بصورة غير مباشرة.

والثابت أنّ الدين يحترم المبادئ الأخلاقية ويقدّسها، فهو يدعو بوضوح إلى اتّباعها بوصفها مقاصد عليا لا يجوز انتهاكها. كما أنّ تطبيقاته التشريعية ـ في معظمها ـ محكومة بهذا الالتزام. غير أنّ بعض التطبيقات قد تبدو، في ظاهرها، متعارضة مع تلك المبادئ؛ مثل الموقف من الآخر المختلف: المشرك والكافر أو الكتابي، ومثل الأحكام المتعلّقة بالرق وحقوق المرأة وتحديد العقوبات، بل وحتى التصوّر الديني لعذاب الآخرة غير المنقطع أو طويل الأمد.

إن أهمّ ما في هذا الموضوع هو أنّ النص الديني يكشف بوضوح وصراحة عن أن للقيم الأخلاقية أصلاً مستقلاً، ومن الخطأ إرجاعها إلى الدين أو ردّها إلى النص ذاته. فحين يأمر النص بالعدل يفترض أنّ ماهية العدل معلومة من خارج النص مستقلة عنه، وليست هي من بنات أحكامه. فالنص لا يحدّد ما هو العدل ولا ما هو الظلم، وإنما يكشف ويمضي ما هو ثابت في الوجدان العقلي للإنسان. وكذلك حين يقرر أن الله ﴿ينهى عن الفحشاء﴾ أو أنه ليس ﴿بِظَلام لِلْعَبِيدِ﴾، فإنه لا يعرّف ماهية الفحشاء ولا حقيقة الظلم، بل يخاطب المتلقي بما يفترض أنه معلوم لديه، وأن له مرجعاً آخر يعتمد عليه في التمييز والمعرفة. فالنص في هذه المواضع يأتي تابعاً ومصادقاً لمبادئ الأخلاق، وليس مؤسِّساً لها.

وتقف هذه الحقيقة حاجزاً أمام الفرضية الأشعرية التي تبني الأخلاق على مجرّد الأمر الديني، كما تقف حاجزاً أمام التصور الفقهي التقليدي للعلاقة بين النص والقيم الأخلاقية. وقد ولّدت هذه الإشكالية أزمة امتدّت آثارها السلبية إلى يومنا هذا، إذ إن كثيراً من المسالك الفقهية، بما فيها التوجهات الدينية المتشددة، تبرر انتهاك الحقوق الإنسانية بدعوى الرجوع إلى النص، من غير التفات إلى أنّ النص الذي يحتجّون به هو نفسه يحثّ على احترام القيم الأخلاقية ويؤكّد وجوب الامتثال لها.

ومن وجهة نظرنا، إن أصل الخطأ الذي ترتكبه المنظومات الفقهية والآيديولوجية يعود إلى ظاهرة عزل النص عن واقع التنزيل، كما تناولنا ذلك بالتفصيل في حلقة (النظام الواقعي) من سلسلة المنهج في فهم الإسلام. فهذه هي آفة التفكير التراثي التي لا تزال آثارها المنافية للقيم الأخلاقية سارية إلى يومنا هذا.

ومبدئياً، إن سبب مخالفة بعض تطبيقات النص للقيم الأخلاقية يعود إلى تجريدنا للنص عن سياق التنزيل والظرف التاريخي الذي نزل فيه. إذ تصبح الصورة عكسية عند إعادة ترسيخ الصلة بين النص وواقعه. وبالتالي، فإن تحديد العلاقة بين الدين والقيم - سواء كانت متفقة أو فيها شيء من التعارض - يعتمد على طبيعة فهمنا لهذه العلاقة. فعندما تكون العلاقة متلاحمة، يظهر التوافق من دون إخلال، أما عند انقطاعها، فتبرز الانتهاكات والمخالفات بوضوح.

وللأسف، فقد حظي الفهم الأخير بالقبول المطلق لدى علماء الإسلام، ماضياً وحاضراً، وأصبح من الصعب قلب هذا التفكير وتصحيح العلاقة بين النص والواقع؛ بسبب ضغط التراث المتراكم وما خلّفه من سلبيات وانتهاكات صريحة للقيم الأخلاقية.

وهكذا نجد أن هذه المشكلة تمثل الفهم الذي خلع على الدين لباس الجرم والظلم والتخلف، وحرمه من دوره الأصلي في صيانة القيم ورفع مستوى الإنسانية.

 



[1] انظر: هيو ليسي: هل العلم خلو من القيم؟، ترجمة نجيب الحصادي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، الطبعة الأولى، 2015م، ص31.
[2] كما لاحظ أيضاً: الاستقراء والمنطق الذاتي.
[3]هيو ليسي: هل العلم خلو من القيم؟، ص29.
[4]         للتفصيل انظر: جيمس دافيسون هنتر، وباول نيديليسكي: العلم والأخلاق: بحث في أسس الأخلاق، ترجمة عبد الرحمن عبد العزيز البقمي، نشر مركز دلائل، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1442هـ ـ 2021م.
[5]         المصدر السابق، ص28-29.
comments powered by Disqus