-
ع
+

هل يلعب الإله النرد؟

يحيى محمد

قد تكون أولى العلامات المميزة بين نظرية أينشتاين والكوانتم كما تتمثل في مدرسة كوبنهاكن هي ان أينشتاين يفصل ما بين العالمين الذاتي والموضوعي، ويتعامل مع العالم الأخير بصفته مستقلاً رغم كونه قابلاً للملاحظة، وهو ما لم تسلم به مدرسة كوبنهاكن للكوانتم، فلا يوجد لديها هذا التقسيم، بل ان الملاحِظ والملاحَظ كلاهما واقعان في اسر العلاقة المتفاعلة دون فصل وتمييز واستقلال. وهذا الاختلاف قد انعكس على تصورهما لقانون السببية. فبحسب أينشتاين أنه لما كان العالم الموضوعي مستقلاً عن العالم الذاتي للراصد فإنه يخضع كلياً إلى علاقات السببية الحتمية، فلا شيء يدعو لتحويل الصفة الموضوعية للسببية إلى قانون الاحتمالات الذاتية. لذلك وصف هايزنبرغ نظرية أينشتاين بأنها لم تتجاوز الطابع التقليدي في الفصل بين العالمين الذاتي والموضوعي، وما نتج عنه من صياغة واضحة لقانون السببية. وهو امر لا يبدو أنه يتعارض مع المألوف الحسي في العالم الكبير، إذ التفاعل بين الذات والموضوع يظل ضئيلاً جداً فيهمل، لكنه غير منفي، وبالتالي فإن اثره البالغ انما يكون عند دراستنا للعالم الصغير المجهري، ففيه يتبين اثر التفاعل بين هذين الكيانين من دون امكانية الفصل بينهما، وهو ما تركز عليه نظرية الكوانتم بزعامة نيلز بور.

لقد رأى أينشتاين ان العلاقات في العالمين الكبير والصغير هي علاقات حتمية صارمة يستحيل عليها التغيير حتى من قبل القدرة الإلهية، ومما كتبه بهذا الشأن قوله: ‹‹إن أعظم ما يرضي الشخص العلمي هو التوصل إلى ان قدرة الله نفسه على تنظيم هذه العلاقات بطريقة أخرى غير تلك الموجودة عليها لا تزيد عن قدرته في ان يجعل الرقم أربعة رقماً اولياً››. وهو متأثر في ذلك بما رآه من قبل سبينوزا وما صوره حول وحدة الوجود التي تلقاها أينشتاين عنه. ولاسبينوزا مقالة تشابه تلك التي نقلناها عن الأخير، فهو يرى ان الله هو النظام الكبير في الكون وتفيض عن هذا الكائن القوانين والحوادث والحقائق والاشياء، كما تفيض خصائص المثلث عن طبيعته. لذلك نقد التصورات غير الحتمية عبر مثال المثلث وما يترتب عنه من نتائج حتمية.

ويعتبر أينشتاين ان هذه القضية عقلية صرفة، إذ كتب بأن اعتبار قوانين الطبيعة صحيحة بالنسبة للواقع الموضوعي انما منشأه الايمان العقلي العميق، بمعنى ان لدينا ايماناً عقلياً عميقاً بأن هذه القوانين التي نؤمن بها هي ما تمثل حقيقة الواقع الموضوعي الخارجي. ومما قاله بهذا الشأن: «أنا أومن تماماً بأن الاعتقاد المحض مؤهل كلياً لفهم حقيقة الواقع مثلما كان القدماء يحلمون بذلك».

 وتبعاً للتأويل الحتمي لأينشتاين اشتهرت عنه عبارته: إن الإله لا يلعب النرد، خلافاً لميكانيكا الكوانتم التي أقرت بأن العالم الجسيمي الصغير هو عالم لا يخضع للحتمية الصارمة وان صفة اللاتحدد فيه هي السائدة. لذلك ردّ نيلز بور على أينشتاين في مقولته السابقة التي كان يرددها كثيراً، فقال: ‹‹توقف عن إخبار الرب بما يجب ان يفعله››.

لا شك ان عبارة أينشتاين – وهي ان الإله لا يلعب النرد – توحي بأن خلافه مع الكوانتم هو خلاف مسكون بهاجس الخوف من فقدان النظام الدقيق. فهو هاجس نجده لدى الفيزيائيين وان بدا من دون وعي منهم. فاغلبهم يبحث عن نظرية موحدة متسقة تتصف بالبساطة، وهي نظرية لا تتلائم مع فرضية الصدفة، فالأخيرة غير معنية بالبساطة والنظام الدقيق، فلماذا الالحاح في محاولة ربط العالمين الكبير والصغير ضمن نظرية موحدة بسيطة ومتسقة إذا ما كان العالم قائماً على النرد والمصادفة؟!

فهذا الهاجس في البحث عن الانسجام والنظام مدفوع بأثر خفي يحرك العلماء، وهو ان هناك ظواهر لا تحصى تبدي حالة النظام والدقة والمعقولية. لذلك رأى أينشتاين بأن العالم الصغير ليس اقل انتظاماً من العالم الكبير الذي نألفه ونحياه. ويذكّر هذا الحال بالاختلاف الحاصل بين الاشاعرة وخصومهم من الفلاسفة والمعتزلة. فعلاقات الطبيعة لدى الاشاعرة لا تتجاوز كونها صدفوية اعتباطية، وانها مجرد علامات لا اكثر، خلافاً لوجهة نظر الفلاسفة والمعتزلة الذين أقروا النظام الدقيق كالذي استهدفه أينشتاين في عصرنا الحالي.

لقد بقي أينشتاين على موقفه السابق في معارضته لمبدأ عدم اليقين. وهو في اواخر حياته صادف ان قال لعالم الرياضيات هيرمان وايل وهو يهز رأسه متأسفاً: ‹‹من يدري ربما يكون الرب خبيثاً››، وذلك كرد على ما كان يكرره في سابق حياته بالقول: ‹‹قد يكون الرب خفياً لكنه ليس خبيثاً›› شارحاً موقفه بقوله: ‹‹تخفي الطبيعة سرها بسبب شموخها وليس بغرض الخداع››.

وبنظر معظم الفيزيائيين ان للكوانتم بنية سببية لكنها ليست حتمية، رغم أنها أخذت تسمح بظهور الطاقة من لا شيء طالما أنها تختفي في لمح البصر كما عرفنا.

ان هذا التعارض بين النظريتين جعل لقوانين الفيزياء حدوداً لا تتعداها، فهي تنقسم إلى عالمين مختلفين كل الاختلاف، فأحدهما ينطبق عليه القوانين الحتمية، في حين لا ينطبق على الثاني إلا قوانين الاحتمال. وهناك محاولة لعالم الفيزياء (أومنيس) ان يطبق نظرية الكوانتم على العالم الماكروفيزيائي، ليفسّر الصورة الحتمية المألوفة لنا. لكن الحتمية التي يرمي اليها هي حتمية نسبية، خلافاً للرؤية الأينشتاينية، إذ يرى بأن ميكانيكا الكوانتم تسمح بوجود تأثيرات (نفقية) يغيّر فيها الجسم حالته بسبب قفزة كوانتية، الأمر الذي يطبق حتى على الأجسام الكبيرة، فمثلاً يمكن للأرض أن تتعرض إلى التأثير النفقي فتجد نفسها فجأة تدور حول نجم آخر غير الشمس. فمن حيث المبدأ أن هذه النظرية تسمح بمثل هذا التأثير الصدفوي المحض، لكن إحتمال حدوثه بالنسبة للأجسام الكبيرة هو إحتمال ضئيل للغاية، فهو قد يحدث للأرض بدرجة إحتمال تساوي واحداً من واحد وأمامه على اليمين (200) صفراً تقريباً (10-200)، فهي ضآلة تفوق الخيال والتصور، لكن هذا الإحتمال يزداد كلما كان الجسم أصغر فأصغر، فاحتمال أن يتغير وضع سيارة مصفوفة في مكان ما إلى مكان آخر مختلف هو إحتمال أقوى من الإحتمال المتعلق بتغير وضع الأرض، لكنه مع ذلك يعد إحتمالاً ضئيلاً جداً، وليست هناك احتمالات متوقعة إلا في الاجسام الصغيرة للغاية كما تتمثل في عالم الجسيمات المجهرية. وعلى رأي كارناب فإنه لحسن حظنا أن انطباق اللاحتمية لنظرية الكم على عالمنا الكبير هو احتمال في غاية الضآلة، ولو كان الاحتمال كبيراً لكان من المتوقع - مثلاً - ان تنفجر المنضدة التي امامي على حين غرة، أو لتحرك حجر تلقائياً بالصعود افقياً سابحاً في الفضاء... وهكذا. وبالتالي فإن ما تريد ان تؤكد عليه هذه النظرية هو ان من الممكن تطبيق ميكانيكا الكوانتم على الاجسام الكبيرة، رغم لحاظ ان احتمالات التغيرات الفجائية ستكون غاية في الضآلة. ويبقى أنه سواء في هذا العالم أو في عالم الجسيمات الصغيرة يتوقف الأمر على منطق الاحتمالات لحساب ما يمكن ان يحدث من مصادفات محضة أو قفزات فجائية.

وهذا الاختلاف بين النظريتين انعكس على نظرتهما لطبيعة الرياضيات التي يقاس بها موضوع البحث. فلدى الكوانتم ان قياس العلاقة الرياضية بين موضع الجسيم (م) وحركته (ح) يختلف كلياً عما تقيسه الميكانيكا الكلاسيكية لعالم الاجسام الكبيرة، فحاصل ضرب (م × ح) لا يساوي لدى الكوانتم حاصل ضرب (ح × م). في حين ان حاصل ضربهما لدى الميكانيكا الكلاسيكية يجعلهما متساويين، لذلك فإنه بحسب هذه الميكانيكا فإن (م × ح) - (ح × م) = صفر. في حين أنه لدى الكوانتم لا يساوي ذلك.

ومع هذا فقد حاول بعض انصار الكوانتم ان يجعل من الميكانيكا الكلاسيكية حالة خاصة لنظرية الكم، معتمداً في ذلك على الاختلاف بين الشيئين الجسيمي المجهري والجسم الكبير، ففي الجسيمات الصغيرة ان الفارق بين (م × ح) و(ح × م) يساوي – على الدوام - ثابت بلانك (h) مضروباً بمضاعف عددي. وعندما نستخدم الاجسام الكبيرة فإن (م) و(ح) تكون كبيرتين لدرجة ان ضربهما (م × ح) يعد مضاعفاً هائلاً لثابت بلانك (h)، ومن ثم فإن ذلك يجعل على وجه التقريب بأن ضرب أحدهما بالاخر سيساوي ضرب العكس، وان طرح إحدى علاقتي الضرب من الأخرى ستساوي صفراً تقريباً. وهذا يعني ان من الممكن تطبيق الكوانتم على الفيزياء الكلاسيكية. اما العكس فغير صحيح.

هكذا ان علماء الكوانتم يعدون الفيزياء الميكانيكية للاجسام الكبيرة حالة خاصة من الفيزياء الجسيمية، بمعنى ان من الممكن تطبيق الكوانتم عليها في ظل ما سبق عرضه.

 

comments powered by Disqus