-
ع
+

قواعد الأدلة لدى العلم والفهم الديني

يحيى محمد

على الرغم من ان النص يختلف عن الطبيعة، ومن ذلك ان الأول عبارة عن معرفة خلافاً للآخر المعبّر عن كينونة خارجية لها تشكلاتها المادية، وبالتالي فقد يتضمن الأول قراءة الثاني من دون عكس، لكن ذلك لا يؤثر على قبول الشيئين للقراءة والفهم والتفسير. فهذا هو الحد المشترك بينهما، مما يجعل كلاً من الفهم الديني وعلم الطبيعة قابلاً للتأثير على الآخر، كما يجعل الكثير من القواعد التي تصاغ لمعرفة موضوع أحدهما قابلة للكشف عن موضوع الثاني، ومن ثم كان من الممكن اقتباس عدد من المفاهيم والقواعد التي يعمل على توظيفها الآخر. مع الأخذ بعين الإعتبار ان إشكالية أحدهما تختلف بعض الشيء عن إشكالية الثاني في تعامله مع الموضوع الخاص به، كالذي طرقناه في دراسة مستقلة.

فقد بات من المسلم به ان الطريقة العلمية قائمة على مبدأ الإستقراء والتجربة، ولو عبر أشكال مختلفة، وان هذه الطريقة مستخدمة في بعض كيفياتها في الفهم الديني. بل يمكن ان نزعم بأن هذا الفهم لا يمكنه تجاوز هذا المبدأ كلياً، مثلما لا يمكن للطريقة العلمية تجاوزه تماماً. فكلاهما يقومان عليه، وان التخلي عنه كلياً يعني التخلي عن العلم والفهم على السواء، وهو ما لا يمكن حدوثه أبداً، رغم كثرة التجاوزات التي نصادفها في العلم والفهم الديني عادة.

والمقصود بالإستقراء هو الوصول إلى نتيجة عامة من خلال لحاظ جزئيات كثيرة دالة عليها، أو يتم التنبؤ بجزئية معينة عبر قرائن سابقة، أو حتى اثبات جزئية من خلال قرائن مختلفة دالة عليها. وقد تتنوع الأدلة وتختلط المفاهيم بهذا الشأن مما يجعل الإستقراء حاملاً لأشكال مختلفة من الأدلة، لذلك تظهر الحاجة إلى تحديد المفاهيم بدقة كي لا تختلط الأمور. ويعتمد الإستقراء على الإعتبارت الإحتمالية. والإحتمالات على نوعين تماثلية وتباينية، ومعنى الإحتمالات التماثلية هو أنها قيم متساوية تبررها وجود القرائن المتماثلة، لذلك فإنها تخضع للعد الحسابي دون اشكال، وكثيراً ما يستفاد منها في الإحتمالات المتعلقة بألعاب الحظ، عندما تكون الوجوه فيها متماثلة كوجوه قطعة زهرة النرد والعملة النقدية وما إليها. أما معنى الإحتمالات التباينية فهي قيم إحتمالية غير متساوية تبررها وجود القرائن المختلفة الدالة على محور معين مشترك، وهي تستخدم في مجال تكوين الفروض والنظريات العلمية التي تعمل على تفسير الظواهر الطبيعية. كذلك تستخدم في اثبات الأشياء وتعليلها. كما أنها تمثل العنصر الأساس لبناء الدليل الإستقرائي منطقياً. وطبيعة هذه الإحتمالات هو أنها لا تقبل العد الحسابي، طبقاً للإختلاف النوعي للقرائن التي تبرر عدم التسوية الإحتمالية.

والذي ينفع في البحث العلمي، وكذا الفهم الديني، هو الإحتمالات التباينية رغم أنها غير قابلة للحساب الرياضي الدقيق.

أدلة العلم والفهم

هناك أربع قضايا مختلفة أغلبها لها علاقة بالدليل الإستقرائي، وهي تستخدم في كل من الفهم الديني والتفسير العلمي، وذلك كالتالي:

1 ـ الدليل التعميمي:

وفيه ان الدليل يتضمن مشكلة التعميم، وهو المطلق عليه المشكلة الإستقرائية منذ ديفيد هيوم، وسار على نهجه الفلاسفة من بعده، حتى أصبح الدليل الإستقرائي لا يعني عندهم - أحياناً - غير ذلك الذي يواجه تلك المشكلة، حيث فيه ينتقل الذهن مما هو خاص إلى ما هو عام سواء كانت القرائن الإحتمالية متماثلة أو مختلفة. ويضم إلى ذلك - أحياناً أخرى - الإستقراء التمثيلي التنبؤي للحالات المحدودة، مثل الإستدلال بأن البجع الذي سأصادفه سيكون ابيض اللون، وتتابع الليل والنهار في الأيام القريبة القادمة، وعلى هذه الشاكلة يستخدم هذا الدليل لدى شركات التأمين عبر الاحصاءات المختلفة، وغير ذلك من التنبؤات القائمة على التماثلات والتشابهات المتكررة. وأكثر ما يستخدم العلم هذا الدليل كمصادرة مفترضة حول تعميمات القوانين الطبيعية وما يعرف بقانون الاضطراد.

ويقابل ذلك في الفهم الديني مشكلة التعميم الخاصة بالفهم القصدي لدى التعبديات، حيث كيف يمكن تعميم هذا الفهم على جميع ما يعرف من تعبديات؟ وبعبارة أخرى: كيف يمكن تحويل التعبديات إلى قصديات أو مصالح قصدية؟ فالكثير من الأحكام الدينية تشير صراحة إلى مقاصد تتمثل بمصالح الانسان الدنيوية، وعليها قد نعمم هذه المصالح على الأحكام التعبدية. وكلما اكتشفنا ظهور مصلحة ما في الأحكام الأخيرة - كإن تكون المصلحة طبية مثلاً -، كلما زادت القيمة المعرفية لقاعدة التعميم المشار إليها.

2 ـ الدليل التمثيلي:

وفيه ان الدليل ينتقل من حالات جزئية محدودة للغاية إلى حالات أخرى مثلها. أو أنه يقوم بالإستدلال على الحالات التنبؤية الجزئية من خلال لحاظ مثيلاتها من الحالات المحدودة من دون جهد إستقرائي، الأمر الذي يتميز به عن سائر الأدلة. كما يستخدم أيضاً للتفسير وفقاً للحالات المتشابهة. فقد يتعين تفسير ظاهرة جديدة وفقاً لظاهرة معلومة مشابهة لها. وهو كثير الاستخدام في حياتنا اليومية، ومن ذلك التنبؤ والإستدلال على الترجيحات الخاصة بفوائد الأشياء أو اضرارها عبر لحاظ التشابه بينها. يضاف إلى أنه مستخدم بكثرة في الدوائر العلمية، فقد أُعتمد عليه في العديد من الإكتشافات والنظريات والتفاسير، لا سيما تلك التي تجري وفق المألوف من الظواهر، ومن ذلك تفسير الضغط الجوي كما في تجربة تورشلي بلحاظ ضغط الماء، فبحر الهواء هو كبحر الماء، والضغط مثله. أو تفسير ظاهرة الضوء بالموجة شبيهاً بموجات الماء والصوت، أو بقذائف الفوتونات شبيهاً بالقذف الرشاشي للاسلحة النارية، أو تفسير الحركة الجزيئية للغازات بحركة كرات البليارد العشوائية، أو كما يُذكر أنه لا فرق بين تقافز كرة الطاولة وشروح الفيزياء الكمية. وهناك جملة شهيرة للمؤرخ العلمي مايكل كون، إذ يقول: ‹‹انك لن ترى شيئاً ما لم تصل إلى التشبيه الصحيح الذي يجعلك تدركه››.

وعبر هذا النمط من الإستدلال تمكن العلم من ان يوحد بين القوتين الكهرومغناطيسية والنووية الضعيفة، ومن ثم التنبؤ بوجود جسيمين مراسلين. كما أُعتمد عليه أيضاً في إفتراض جسيم بوزون هيجز ضمن مجال هيجز تشبهاً بالمجال الكهرومغناطيسي للفوتون. ومثل ذلك إفتراض جسيمة الجرافيتون للثقالة، فجسيمة الفوتون تحمل القوة الكهرومغناطيسية، وجسيمات البوزونات المتجهة (w- و w+ و z) تحمل القوة النووية الضعيفة، وان جسيمة الغليون تحمل القوة النووية الشديدة، ولم يبق الا القوة الطبيعية الرابعة، وهي الثقالة، التي يتوقع ان تحملها جسيمة على هذه الشاكلة ووفقاً لهذا القياس التمثيلي تدعى الجرافيتون. كذلك ان إفتراض وجود أبعاد فضائية خفية كان مديناً لهذا القياس التمثيلي، تشبهاً بعلاقة الجاذبية بالأبعاد الزمكانية، فمثلما ان هذه الأبعاد مسؤولة عن الثقالة كما يراها أينشتاين، فكذلك يمكن إفتراض ان القوة الكهرومغناطيسية مدينة في وجودها لأبعاد أخرى خفية، وهو دليل قائم على التمثيل القياسي. أيضاً فإن فكرة الأكوان المتعددة المتوازية جاءت على خلفية مشكلة قطة شرودنجر الكمومية وفقاً للقياس التمثيلي.

وفي الفهم الديني ينطبق هذا النوع من الدليل على القياسات الفقهية، حيث يُستدل بشواهد محدودة من الدلالات اللفظية لبعض الأحكام على حالات جديدة مشابهة. لهذا عرفت أحكام هذه القياسات بالظنية. كما يستخدم هذا الدليل لدى المتكلمين بما يعرف بقياس الغائب على الشاهد، ضمن شروط معينة.

3 ـ الدليل التفسيري:

وفيه ان الدليل يتضمن البحث عن اثبات الحالات الخاصة وتفسيرها. ويلاحظ ان هذا الدليل لا ينتهي إلى ما هو عام كما في الحالة الأولى، ولا يواجه مشكلة التنبؤ بالحوادث المستقبلية المتماثلة، كما لا يستخدم القياس التمثيلي كما في الحالة الثانية، بل ينتهي إلى تقرير معني باثبات حالة خاصة أو تفسير وجودها وفقاً للقرائن المتعددة المختلفة. وهو كثير الاستخدام في العلم، ومن ذلك تفسير القوى المتعلقة بالكتل الطبيعية وفقاً للجاذبية مثلاً. أما في الفهم فقد كان هذا الدليل القائم على الإستقراء فاعلاً لدى عدد من المفكرين الاسلاميين في توظيفه للكشف عن القضايا الدينية العامة ومنها المقاصد الكلية كالذي دشنه الشاطبي في كتابه (الموافقات). ومن ابرز نتائج هذا الدليل ما يعول عليه من محاولات لاثبات صحة صدور الاخبار والاحاديث وتفسير المتون والمضامين المختلفة وفقاً لكثرة القرائن الإحتمالية. كما من تطبيقاته ما سبق كشفه حول بعض النتائج العقائدية كنفي العصمة الشاملة للانبياء. وبالتالي فهذا الدليل شائع التوظيف والاستخدام لدى كل من المجالين العلمي والديني.

4 ـ الدليل الحدسي:

وفيه ان الدليل يتضمن التسليم بفرض معين ينشأ على نحو لا تقتضيه كامل ما سبق من العملية الإستدلالية، أي أنه يقفز إلى الذهن دفعة واحدة كإلهام، نتيجة وجود قرائن قليلة محدودة، وقد تكون مدعومة بتصورات رياضية أو خيالية، كما قد تكون غامضة غير واضحة. وعادة ما يشترط في هذا الفرض كسائر ما سبقه هو ان تكون نتائجه قابلة للإختبار لتتحدد مدى قوته في التأييد والتكذيب أو الاستبعاد. وهو يعد موضع اهتمام المنهج العلمي في الغرب حالياً، وقد يختلط أمره بالأدلة السابقة، فقد يتضمن الصورة التعميمية كما في الشكل الأول، أو يتضمن البحث عن الحالة الخاصة من الكشف التمثيلي القياسي كما في الشكل الثاني، أو التفسير كما في الشكل الثالث. ويقابله في الفهم الديني ما اطلقنا عليه الإجتهاد المغامر، ومن نماذجه تفسير السيد محمد رشيد رضا للوضوء. لكن مع أخذ اعتبار أن الإجتهاد المغامر من الصعب عليه أن يكون منتجاً مثلما يحصل في القضايا العلمية، إذ يتعسر خضوعه لأفق انتظار التأييد والاستبعاد، خلافاً لما يحدث في تلك القضايا.

***

ووفقاً للأدلة السابقة رغم ان كلاً من العلم والفهم يستعين بالشواهد المؤيدة، لكن الأمر لدى العلم يختلف عما لدى الفهم. فالعلم يعتمد عادة على الشواهد كحقائق مسلم بها وثابتة، في حين ان الفهم لا يعتمد على هذه الحقائق فقط، بل غالباً ما يضيف إلى ذلك الشواهد غير الثابتة، كإن يعتمد على رواية لم يتم التأكد من صحتها، ومع ذلك تذكر كشاهد إن كان لها محل من الإعتبار والصحة بالمعنى الأصولي، وأحياناً حتى لو لم يكن لها هذه الصحة أو الإعتبار.



comments powered by Disqus