-
ع
+

لماذا لا يقنع العقل بالمفارقات والتناقضات؟

يحيى محمد

سؤال يطرح حول المسلمات الاساسية للقضايا الخارجية، كالواقع الموضوعي والنص المقدس؟ اذ لو لم يكن هذا الموضوع من المسلمات فإن العقل لا يبالي بمفارقته، اذ يمكن تفسير هذه المفارقة طبقاً للخطأ الذي ينطوي عليه هذا الموضوع. لكن الأمر مع المسلمات شيء مختلف. وبالتالي يطرح السؤال عن تبرير السلوك العقلي بهذا الخصوص، فقد يقال ما شأن العقل بالموضوع الخارجي - المسلّم به - إن اكتشف الاول مفارقة في الثاني؟ وبعبارة أُخرى ما الذي يمنع أن يكون هذا الموضوع حاملاً للمفارقات، وأن تكون الوظيفة الملقاة على العقل هي تسجيل هذه المفارقات والتصديق بها وجعلها من المسلمات ايضاً عوض رفضها وإبعادها؟ أي لماذا كان على العقل أن يبعد التناقضات من الموضوع الخارجي، ولمَ لا يكون هذا الموضوع مشحوناً بها – فعلاً – دون أن يقلل ذلك من حقانيته ومصداقيته؟ هل هي حاجة عقلية صرفة، ام انها كاشفة عن الأمر الخارجي؟

والجواب على ذلك هو أن العقل لا يحتمل اطلاقاً أن تكون هناك مفارقة في الموضوع الثابت التصديق، لا سيما تلك المتعلقة بالتناقض. فهو يرى أن نفي التناقض من الحقائق يعد من الضرورات (العقلية)، وأي سياق معرفي يحمل المفارقة يعد سياقاً كاذباً، او انه يتضمن المضمون الكاذب. وهنا لا بد من إبراز الفارق - في الموضوع الخارجي - بين النص من جهة، والواقع والوجود من جهة ثانية. فلكون النص يتضمن تكويناً معرفياً فإن حمله للمفارقة تفضي الى تكذيبه؛ ما لم يتسع لاجراء التأويل عليه لإبعادها. في حين إن حمل الواقع او الوجود للمفارقة لا تفضي الى تكذيبه؛ باعتباره ليس من الأُمور المعرفية التي يجري عليها التصديق والتكذيب، بل لو ثبت أن هناك مفارقة في الواقع او الوجود فعلاً؛ فسيضطر العقل الى التسليم بها، وإن كان من الناحية العملية أن العقل يستعين في مثل هذه الحالة بسلاح التأويل لإبعادها، فهو لا يتوقف عن الاعتقاد بنفي التناقض والمفارقة عن الواقع والوجود طبقاً للضرورة الوجدانية. أي أن الكشف الذي يمارسه العقل في هذه الحالة ليس من الكشف المنطقي، بل هو كشف وجداني. وبالتالي فنحن إزاء عدد من المسلمات كالتالي:

مسلمات منطقية:وفيها أن العقل يكشف بذاته عن إبعاد المفارقات في قضاياه المنطقية والعقلية، لأن كل اعتقاد بمصداقية المفارقة بمعنى التناقض؛ سوف يجر الى سائر القضايا العقلية، فتكون المعرفة بذلك مستحيلة. فمثلاً لا يمكن الاعتقاد بأن الواحد المضاف الى اخر مثله يساوي ثلاثة مثلما يساوي اثنين، لأن ذلك يبعث على الاعتقاد بالتناقض، والاعتقاد بالتناقض المنطقي يجعل جميع القضايا معرضة للهدم واستحالة المعرفة، فحتى ذات الاعتقاد بتناقض القضية المنطقية يصبح في هذه الحالة اعتقاداً متناقضاً.

مسلمات ميتافيزيقية:وفيها أن العقل يبعدها عن المفارقة وإن لم يمتلك دليلاً على ذلك. فمثلاً بامكان العقل أن يستبعد الاعتقاد القائل بأن وراء هذا العالم آخرة تنتظر البشر، وانه في الوقت ذاته لا توجد آخرة وراء هذا العالم. فالعقل في هذه الحالة يرى من البداهة إما ان تكون هناك آخرة وراء هذا العالم او لا تكون، ولا يمكن الجمع بين الاعتقادين. لكن هذه البداهة غير خاضعة للدليل والبرهان.

مسلمات تجريبية وحسية:وفيها أن العقل بامكانه أن يكشف عن صدق ما يعتقده من نفي التناقضات. فمثلاً لو أن شخصاً أخبرنا بأن زيداً الذي نعرفه قد مات بالأمس وانه لم يمت أمس، ففي هذه الحالة أن بالامكان تكذيب هذا الاعتقاد بالكشف عن أن زيداً إما ان يكون قد مات فعلاً فهو ليس بحي، او العكس.

مسلمات الواقع الموضوعي:وفيها أن العقل يستبعد مفارقات الواقع، وهو وإن لم يمتلك الدليل على تعميم هذا الاستبعاد، لكنه يجعل منه مجالاً للتحدي. وتعد هذه المسلمات الوحيدة التي تنطوي على التحدي. ولو ظهر للعقل أن الواقع يتصف بالتناقض والمفارقات، فسيكون من الصعب على العقل ان يذعن لهذا الظهور، لذلك نقدّر بأن أول فعل يتخذه هو تأويل الواقع بما يبعد المفارقة عنه. أما لو تبين أن الواقع يحمل - فعلاً وحقيقة - التناقضات واصبح العقل عاجزاً عن تقديم التأويلات – وهو ما لا يمكن تصوره - فعندئذ سوف يذعن لهذا الأمر مضطراً، وتصبح التصورات العقلية الاولى عن الواقع تصورات خاطئة. وهذا ما تحاول الاطروحات الفيزيائية لنظرية الكوانتم ان تبديه، وهو ان هناك تناقضاً في الواقع بشكل ما من الصور، كما هو حال ما يعبر عنه بقطة شرودنجر التي تضمنت تصورات عديدة للمفارقات لسنا بصدد البحث حولها.

لكن لو سلمنا بمنطق مفارقة الواقع، لكان ذلك يتيح تقديم احتمال مبرر لامكانية اتصاف العالم الميتافيزيقي المجرد بالمفارقات. أما المسلمات العقلية فستبقى بحسب النظر العقلي نائية ومصونة عنها، باعتبار أن ذلك يفضي كما قلنا الى استحالة المعرفة او انهيارها كلياً.

في حين سيكون النص المتصف بالمفارقات نصاً كاذباً لدى العقل إن تعذّر إنقاذه عبر التأويلات التي تعيد له اتساقه وتنأى به عن هذه التناقضات.

وعلى العموم ان هناك حاجة عقلية لنفي المفارقات عن المسلمات الاساسية. فكل مفارقة يكتشفها العقل ستعبّر عنده عن خطأ محتم، فإما ان يكون الخطأ راجعاً الى الموضوع المسلم به، او الى اكتشاف العقل ذاته، وبالتالي كان لا بد من البحث عن الاتساق الذاتي وإبعاد المفارقة.

comments powered by Disqus