-
ع
+

جدليات نظرية داروين

يحيى محمد

إن ابرز ما رآه داروين من مؤشرات اوحت اليه بنظرية التطور والانتخاب الطبيعي دون ان تلفت نظر الاخرين؛ استفادته العظيمة من مبدأ مالتوس في العلاقة بين الغذاء والتكاثر، والتي من شأنها تؤجج التنافس والصراع حول البقاء.. كذلك استفادته مما يحصل من تغايرات لدى الحيوانات والنباتات المدجنة ودور الانتقاء الانساني فيها، فهي قد توحي بتطور الانواع. لذلك استدل بانه اذا كان بمقدور الانسان ان ينتقي وينتخب بعض التعديلات في التدجين في مدة قصيرة جداً؛ فما الذي يعجز الانتخاب الطبيعي عن فعله؛ خاصة مع وجود زمن طويل يكفي لحصول مختلف التغيرات الكبيرة بالتدريج؟! واذا كان الانسان يتمكن فقط من ان يؤثر على الصفات الخارجية والمرئية؛ فان الطبيعة تتمكن من ان تؤثر على كل عضو داخلي، وعلى مجمل آليات الحياة. كما اذا كان الانسان ينتقي فقط ما فيه مصلحته؛ فان الطبيعة تنتخب ما فيه مصلحة الكائن الذي ترعاه.

كانت فكرة الانتقاء الانساني في التربية والتدجين مهمة لدى داروين واتباعه، وهي واضحة للعيان على صعيد النباتات وسلالات الحيوانات ضمن النوع الواحد، لكن يعتقد انها تشتمل ايضاً على انتاج انواع حيوانية جديدة مختلفة، ومن ذلك الاعتقاد بان الكلاب جاءت نتيجة تربية البشر للذئاب منذ حوالي 4000 سنة.

أما الادلة الاخرى التي لاحظها داروين واستشهد بها على نظريته؛ فمنها ما يتصف بالسلاح ذي الحدين، فقد استخدمه المعارضون ضد النظرية مثلما استخدمه داروين واتباعه لصالحها، مثل الدليل الاحفوري وعلم الاجنة. كما من الادلة ما يتصف بالجدل بين تفسيرين مختلفين، احدهما لصالح النظرية الداروينية، والاخر لصالح نظرية الانماط، كالدليل المورفولوجي. يضاف الى وجود بعض الادلة التي تم قبولها ضمن حدود، كما في الدليل الجغرافي.

وسنبرز هذه الادلة والجدل المتعلق بها، قبل التعرض الى المشاكل التي واجهت النظرية عموماً في دراسة مستقلة..

1- دليل الجغرافيا الحيوية ومدى تقبله

لقد لاحظ داروين جملة من الاختلافات بين الكائنات الحية وفق الجغرافيا الحيوية، واستنتج من ذلك ان العزل البيئي هو من العناصر الهامة في عملية التعديل او التطور عبر الانتخاب الطبيعي. لذلك فان هذا العزل يمنع من تزاوج الحيوانات الاصلية مع سلالاتها المنحدرة.

وكانت البقعة الجغرافية التي الهمت داروين بفكرة التطور هي جزر غالاباغوس المعزولة في امريكا الجنوبية، وهي عبارة عن ارخبيل مكون من 13 جزيرة صغيرة بركانية بعضها منعزل عن البعض الاخر، وقد زارها داروين واطال النظر فيها اثناء رحلة بيجل الشهيرة. فبعد عودته اخذ يفكر في سبب احتواء هذه الجزر على حيوانات تختلف تماماً عن حيوانات اخرى لها بيئة متشابهة في مناطق جغرافية بعيدة. كذلك ما هو سبب الاختلاف المظهري لدى الحيوانات في كل جزيرة عن غيرها من الجزر الاخرى رغم القرابة الاصلية فيما بينها؟ وافترض كجواب على ذلك ان الحيوانات الاصلية بعد ان استقرت في هذه الجزر اخذت تتنقل فيما بينها، الامر الذي حتم التغير في بعض مظاهرها نتيجة البيئة المختلفة. وكانت التغيرات المظهرية التي لاحظها داروين لدى عدد من الحيوانات – كبعض انواع العصافير - ذات اثر كبير على فكرته في التطور.

وفي دفتر ملاحظاته المدونة عام 1837 اشار داروين الى انه شعر بالذهول بسبب خصائص حفريات امريكا الجنوبية وحقائق الانواع في جزر غالاباغوس، فكما قال ان هذه الحقائق، خصوصاً الاخيرة، هي “منشأ جميع ارائي”. وفي اول فقرة من مقدمته لاصل الانواع اشار الى انه عندما كان على متن سفينة بيجل، قد اندهش بشدة عند لحاظه الحقائق المتعلقة بتوزيع الكائنات العضوية التي تستوطن امريكا الجنوبية، والمتعلقة بالعلاقات الجيولوجية الخاصة بالقاطنين حالياً وفي الماضي لهذه القارة. حيث بدت هذه الحقائق تلقي بعض الضوء على نشأة الانواع الحية.

فقد انفردت امريكا بفضل ما كانت عليه من عزلة بحيوانات خاصة متقاربة من نواح عدة رغم اختلاف انواعها وسلالاتها. فهناك طيور عملاقة عاجزة عن الطيران، وجرابيات لاحمة، وذوات حوافر متنوعة تنتمي الى الحيوانات الاصيلة، وكسالى ضخمة، وانواع من التانو العملاقة... الخ. كما نجد من ثديات امريكا الجنوبية المندثرة اليوم؛ اشباه خيول باصابع اقل عدداً، واشباه فيلة، واشباه نمور باسنان كالسيوف. فظروف الحياة المتشابهة ولدت اشكالاً متقاربة من نواح عدة رغم انحدارها من سلالات مختلفة تماماً. وقبل ثلاثة ملايين سنة انتهت عزلة امريكا الجنوبية، حيث تشكل مضيق بنما فجعل الهجرة بين الامريكيتين قائمة، لكن على اثرها انقرضت اجزاء كبيرة من حيوانات امريكا الجنوبية، ويعتقد ان الانقراض جاء بسبب التنافس والصراع على البقاء.

لقد اصبح من الواضح ان هذه الظاهرة عامة دون ان تقتصر على تلك الجزر، فقد تجد مناطق جغرافية متشابهة البيئة؛ لكنها تمتلك انواعاً مختلفة ومتباعدة من الكائنات الحية. كذلك قد تجد مناطق جغرافية متجاورة ومختلفة البيئة؛ لكنها تمتلك انواعاً لها اصول متقاربة. وكما قال مايكل دنتون: “فالبيئات المتشابهة في قارات مختلفة تشغل احياناً بأنواع مختلفة غير ذات قرابة ببعضها البعض، وأن المناطق المتجاورة جغراياً ضمن أية منطقة قارية كبيرة تكون مأهولة بأشكال مختلفة، لكنها ذات قرابة أساسية”.

هذا هو مجمل دليل الجغرافيا الحيوية، كما لدى جزر غالاباغوس، لكن الملاحظ ان هذه الجغرافيا تشهد على وجود تنوع مظهري للنوع الواحد وليس على انواع مختلفة جذرياً.. فهي حالة مشهودة ومعروفة دون ان تكون موضع خلاف او انكار.

وقيل ان لويس اغاسيز تعمد ان يزور جزر غالاباغوس ذات المكانة العالية في فكر داروين، واستخلص منها ان الاخير لم يفهم شيئاً، وان الوقائع جاءت على الضد من رأيه. لكن في القبال، ان من الصعب تقبل اعتقاد اغاسيز بالخلق المستقل الخاص، اي بتدخلات متكررة للخالق، فبعد كوارث جيولوجية ضخمة تظهر حيوانات ونباتات جديدة على الارض بفضل الفعل المباشر لله.

مع هذا تأكد العلماء خلال القرن العشرين من وجود حالتين تعززان نظرية داروين وتثبتان التطور والسلف المشترك، لكن بحدود النوع الواحد، احداهما هي ان بعض العلماء وجد تسلسلاً واضحاً من التشاكلات المختلفة للنوع، ومن امثلة ذلك ما يسمى بظاهرة التراكب الدائري، “حيث تقوم سلسلة من المراحل البينية للنويعات بتشكيل حلقة او دائرة متداخلة لا تقبل اطرافها النهائية التهجين فيما بينها رغم وجودها في نفس المنطقة الجغرافية، واتصالها بسلسلة متكاملة من الجمهرات المهجنة”. ومن امثلة هذه الظاهرة عدد من اشكال النورس، فهناك النورس الاوروبي بشكليه الفضي والاغبس ذو الظهر الاسود، لكن يوجد في سيبريا الشرقية نورس تكاد هيئته تتوسط تماماً بين النورسين السابقين، وتتلاقح جميع الاعراق للنورس باستثناء الشكلين المستقطبين، وهما الفضي والاغبس. كما لوحظ الحال مع ذبابة الفاكهة في ترتيباتها المتسلسلة. اما الحالة الثانية فهي ليست واضحة مثل الاولى، حيث يعاد تشكيل المراحل البينية نظرياً عبر ايجاد سلسلة كاملة معقولة تتضمن جميع الاشكال الوسيطة، ومن الامثلة عليها طائر نقار الخشب الموجود في امريكا الشمالية، كذلك طائر داب العسل في هاواي.

وبلا شك ان سبب هذه السلالات والاعراق المتنوعة يعود الى الانعزال الجغرافي، فقد اصبح من الواضح “ان الانعزال الجغرافي لاي جماعة هو الحدث الرئيس في تكوين نويعات جديدة. فالانعزال الجغرافي يمنع التهجين مع الجماعة الام”، وتصبح السلالات الجديدة تتمتع بخصائص تكيفية وسلوكية جديدة مختلفة عما عليه الجماعة الاصلية، وهو ما يمنعهما من التهجين سوية. فهذه هي الصفة البارزة التي استطاع داروين ان يشخصها واعتبرها دالة على التطور الخاص بين الانواع المختلفة كلياً، اذ مثلما ان التنويع بين السلسلات والاعراق ضمن النوع الواحد يتميز بتغيرات صغيرة، فانه مع تراكم مثل هذه التغيرات بسبب العزلة الجغرافية سيتولد تغير كبير تنشأ من خلاله الانواع المختلفة كلياً، فيتحول عند ذلك النويع الى نوع مختلف تماماً عن اصله. فبحسب داروين ان التطور كله “مجرد امتداد لعمليات التطور الصغير” او التطور النويعي.

مع هذا فان هناك عدداً من العلماء، رغم انهم تقبلوا دائرة التطور الصغير او النويعي، لكنهم وجدوا فجوة في التطور النوعي، مما جعلهم لا يتقبلونه، وقد سرد عالم الاحياء الالماني بيرنهارد رينش قائمة طويلة من العلماء البارزين الذين لم يجدوا تفسيراً مقنعاً لاثبات التطور النوعي الكبير، سواء من خلال التطور النويعي الصغير او غيره. ومن بينهم علماء نوابغ كما ذكرهم ارنست ماير، مثل عالم الجينات جولدشميت Goldschmidt وعالم الحفريات شينديوولف Schindewolf وعلماء الحيوان امثال جيانيلIeannel  وكوينوتCuenot  وكانون Cannon  وغيرهم ممن تمسكوا حتى خمسينات القرن العشرين بعجز النظريات والمشاهدات العلمية من اثبات التطور الكبير.

2- الدليل المورفولوجي والتفسير الجدلي

كان من بين الادلة الهامة التي قدّمها داروين في اثبات نظريته ما يتعلق بتشابه الصفات لدى الكائنات الحية، والتي اعتبرها دالّة على وجود سلف مشترك، وهو ما يعرف بالدليل المورفولوجي. فبحسبه ان جميع الحيوانات نشأت على الارجح من اربعة او خمسة جدود عليا فقط، وكذا تقريباً النباتات او اقل من ذلك.. ثم ان جميعها قد انحدر عن نموذج اصلي واحد وفقاً للتشابه analogy. فالحيوانات والنباتات لديها الكثير من الاشياء المشتركة كتكوينها الكيمياوي والخلوي وقوانينها الخاصة في النمو وغير ذلك.

لكن هذا التفسير يقابله تفسير اخر كان سائداً قبل داروين، ويعتمد على نموذج الانماط المتقطعة في الطبيعة، وقد استعرضنا الخلاف بين التفسيرين في مقالة مستقلة (انظر: المدرسة النمطية والتطور https://www.philosophyofsci.com/index.php?id=173).

3ـ دليل علم الأجنة والتنازع حوله

ان افضل دليل اعتمده داروين هو ذلك المستمد من علم الاجنة، والبعض يرى ان هذا العلم يقدم كنزاً ذهبياً من الادلة على التطور، وانه يأتي بعد السجل الاحفوري. والفكرة المعتمدة في هذا العلم، والتي سبقت داروين، هي ان جميع الاجنة الفقرية تبدأ شبيهة بسمكة جنينية، ثم تتحول الى الاختلاف بطرق غريبة؛ فتختفي فجأة الاوعية الدموية والاعصاب والاعضاء التي كانت موجودة في كل الانواع في البداية، بينما تمر الاخرى بتحويرات غريبة وهجرات.

وقد عوّل داروين على بعض العلماء في تقديمه لهذا الدليل، وكان منهم خصمه اللدود لويس أغاسيز، ومن المفارقة ان يكون هذا العالم المعارض الاشد للداروينية والتطور اول من ابرز التوازي المذهل بين التطورين الجنيني والاحاثي، او بين تطوري الكائن الحي والانواع، لذلك اعتبره البعض بانه قدّم اسلحته لخصومه التطوريين، وقد استفاد داروين منه كثيراً في (اصل الانواع)، اذ رأى اشكالاً مشتركة للاجنة العليا تعكس في مراحلها الجنينية التطورات السلفية للحيوانات بشكل خافت.

لقد استعان داروين بالدليل الجنيني لتوضيح ان عملية التطور تدريجية خلافاً لمعتقد ناقده ميفارت، اذ رأى ان اجنحة الطيور والخفافيش وارجل الجياد ورباعيات الاقدام الاخرى هي اجزاء لا يمكن التفرقة بينها في المراحل الجنينية المبكرة، بمعنى انها متماثلة قبل ان تصبح متمايزة عن طريق خطوات دقيقة متدرجة، معتبراً الجنين يمثل سجلاً لحالة النوع القديمة، او انه يكشف عن بنية اسلافه القدماء. وكرر هذا المعنى في (نشأة الانسان والانتخاب الجنسي)، فربط الشعب الحيوانية العظيمة الخمسة للفقريات باصل مشترك. وهي بالتحديد الثديات والطيور والزواحف والبرمائيات والاسماك، حيث انحدرت عن واحد من النماذج الحية البدائية، فلديها الكثير من الاشياء الجنينية المشتركة، مستنتجاً ان جميع الاعضاء التابعة للفقريات منبثقة من حيوان ما على شاكلة الاسماك. ورأى انه اثناء مراحل النمو المبكرة – كما في الجنين – تكون الانواع الحالية في كثير من الاحيان اشكالاً قديمة ومندثرة، وقد اعتبر ذلك دليلاً على ان الجنين لا يحمل اي تعديل فجائي، بخلاف ما زعمه ميفارت، بدلالة احتفاظه ببعض آثار اسلافه القدماء، ومن ذلك – كما ذكر– ان الخياشيم في الحيوانات الفقرية العليا قد اختفت، لكننا نجد في اجنتها شقوقاً طولية على جانبي العنق او الرقبة.

وسميت هذه الشقوق بالاقواس الخيشومية، ويُعتقد انها موجودة لدى جميع الفقريات. وقيل ان لدى الاسماك الجنينية والناضجة 6 ازواج من الاقواس، وهو ما يظهر لدى كل اجنة الفقريات عند البداية، وفي الجنين البشري تتشكل في بعض المراحل الاولية، ثم تختفي في المراحل التالية.

كما قيل في تأييد نظرية داروين ان الجنين البشري يبدأ كجنين سمكة ثم يتغير الى زاحف ثم الى لبون. وفيه تظهر ثلاثة انواع مختلفة من الكلى على التوالي حتى يتم الحفاظ على الاخيرة فقط، وهي بذلك تعيد تماثل نوعين نجدهما في السجل الاحفوري، هما الاسماك عديمة الفك والزواحف.

لكن وفقاً لدراسة قصيرة قام بها جيفين دي بير نقد فيها فكرة التماثل لداروين، حيث توصل الى ان النمو الجنيني في الكائنات الحية يصل الى البنى العضوية المتماثلة عبر طرق مختلفة لا متماثلة، مستشهداً على ذلك بنمو الاطراف لدى الفقريات، ومثل ذلك ان نماء الكلية تقف عارضاً متحدياً ضد افتراض ان الاعضاء المتماثلة تنتج عن انسجة جنينية متماثلة، كما في الاسماك والبرمائيات، حيث تحدث بشكل مختلف عما في الزواحف والثديات. والنتيجة التي استخلصها دي بير هي ان داروين استخدم مصطلح التماثل الذي يعرفه في اصل الانواع بانه “العلاقة التي تربط الاجزاء مع بعضها، والتي تحصل لنماء تلك الاجزاء من اجزاء جنينية متشابهة”، في حين ان المعلومات الواردة لدى علم الاجنة لا صلة لها بالتماثل الذي تحدث عنه داروين.

لقد اعتمد داروين في ايضاحه للنمو الجنيني على العالم الالماني ارنست هيگل، كالذي اشار اليه في مقدمة كتابه (نشأة الانسان والانتخاب الجنسي). ومعلوم ان هيگل ابتكر مصطلح تنشؤ الفرد ليصف نموه الجنيني، كذلك مصطلح التطور السلالي ليصف التاريخ التطوري للانواع. واطلق على ذلك قانون النشوء الحيوي، ولخصه بالعبارة الشهيرة: “تلخص نشأة الفرد تاريخه التطوري”. ولقي هذا القانون اهتماماً في اواخر القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين، لكنه فقَدَ بريقه في العشرينات بفعل بعض الانتقادات.

ولهيگل رسومات شهيرة يظهر فيها التشابه الحاصل في المراحل الاولى بين اجنة الفقريات، لكن تبين فيما بعد انها مزورة، فاجنة الفقريات لا تشبه ما رسمه هذا العالم. ومن ذلك ان المرحلة التي اعتبرها الاولى هي في الحقيقة تمثل المرحلة المتوسطة في النمو الجنيني وليست الاولى. كما ان المراحل الاولى من النمو الجنيني تبدي اختلافات اكبر بكثير من اختلافات المراحل التي بالغ في تصويرها هيگل.

وبلا شك ان داروين لم يكن عالم اجنة، لكنه كان ضحية عدد من علماء عصره، وعلى رأسهم هيگل.

لقد انتقد معاصرو هيگل افعاله، واستمر اتهامه بالخداع طوال حياته.. وبعد ان نشر عالم الاجنة البريطاني مايكل ريشاردسون وزملاؤه المقارنات بين رسومات هيگل والاشكال الحقيقية للاجنة عام 1997 اجرت مجلة ساينس مقابلة معه فعلق على هذه الرسومات قائلاً: “يبدو انها كانت احد اشهر التزييفات في تاريخ علم الاحياء”، رغم ان هناك من ظلّ يدافع عنها او عن مضامينها.

ويتبين اليوم ان اجنة الفقريات تبدأ مختلفة تماماً عن بعضها البعض، ثم تتقارب نوعاً ما في المظهر في منتصف طريق النمو قبل ان تتباعد للوصول الى اشكالها البالغة. لكن رغم ذلك فان رسومات هيگل او مضمونها ظلت متداولة لدى الكتب الدراسية الحديثة باعتبارها تقدم الدليل على التطور. وكما صرح ستيفن جاي جولد عام 2000 بانه يجب علينا جميعاً أن نندهش ونخجل من المائة عام من إعادة الاستعمال الطائشة التي أدت إلى المحافظة على هذه الرسومات بأعداد كبيرة إن لم يكن في كل الكتب الدراسية الحديثة. رغم ان العديد من الكتب الدراسية التي نشرت بعد عام 2000 استمرت في استعمال نسخ من تلك الرسومات او مضامينها كدليل على التطور، كالتي كشف عنها جوناثان ويلز في (العلم الزومبي). وبحسب تعبير كيسي لسكين من معهد ديسكفري: ان هذه الرسومات المزيفة تتكرر ولن تموت مثل الزومبي.

وعموماً ادرك العلماء اليوم ان علم الاجنة ليس بالدليل المعتبر الذي يمكن ان يخدم نظرية التطور، وخاصة الدارويني، خلاف ما تصوره مؤسس المذهب.

4ـ الدليل الاحفوري والتنازع حوله

ان ابرز دليل يوحي بالتطور هو انه لا بد من ان تكون الكائنات البسيطة متقدمة في ظهورها على الكائنات المعقدة. وهذا ما يكشف عنه الدليل الاحفوري. فاذا كانت نظرية التطور صحيحة فلا بد على الاقل من سريان هذه القاعدة في سبق البسيط للمعقد زمنياً. فمن حيث الاساس ان البسيط هو ما يولّد المعقد لا العكس. وبالفعل عند مراجعة السجل الاحفوري يلاحظ ان البسيط متقدم على المعقد، فقد بدأت الكائنات الحية بالخلايا المفردة البسيطة، ثم تلتها الكائنات المتعددة الخلايا البسيطة وبعدها اخذ التدرج في ظهور التعقيد بشكل واضح وجلي لدى الشعب الحيوانية.

ومع ان من الممكن ان يتولد عن المعقد ما هو ابسط منه بعض الشيء، لكن نشوء المعقد ذاته لا بد من ان يأتي عما هو ابسط منه.

فمثلاً لا يمكن توقع ان نجد في الحفريات ما يجعل الثديات سابقة للحشرات او الاسماك مثلاً، او ما يجعل البشر سابقاً لظهور الزواحف. ولو حصل ذلك لانتفت ادلة نظرية التطور بجميع مدارسها جملة وتفصيلاً، ولكانت لا تختلف عن فكرة الخلق المستقل. حيث يكون فيها كل شيء ممكن، فقد يتولد البشر من البكتيريا، كما قد تتولد البكتيريا من البشر. لذلك فان اعتبار نظرية التطور علمية يجعل من اسبقية البكتيريا وسائر الكائنات البسيطة سابقة بالضرورة لوجود البشر والثديات عموماً.

ورغم ان فكرة البسيط والمعقد قد تكون نسبية، لكن يمكن تحديدها بعدد انواع الخلايا التي يمتلكها الكائن الحي، فكلما زاد عدد الانواع كلما زاد التعقيد.

لذا اذا كان المعقد يمتلك 200 نوع من الخلايا المختلفة، كالبشر مثلاً، فلا نتوقع ان تتخلق هذه الانواع الكثيرة من عشرة انواع وما شاكلها، او من لاشيء من الخلايا. وكذا يمكن ان يتمثل المقياس بما يحتويه جينوم الكائن الحي من عدد التعليمات الجينية والانواع المختلفة للبروتينات.

وأرى ان هذا الدليل القائم على التتابع الزمني هو اقوى الادلة على التطور، لكنه ليس بالضرورة دالاً على النظرية الداروينية، بل على العكس ان مضامينه تجعله احد الاعتراضات الاساسية عليها، كما خصصنا لذلك دراسة مستقلة.

comments powered by Disqus